أيعلم القبر
( الطويل )
مر الرضي أمام قبر إبراهيم بن هلال الصابي ، في الجنينة ببغداد ، فتذكر ما كان بينهما من صداقة ووضع هذه القصيدة .
أيعلم قبر بالجنينة أنّنا * أقمنا به ننعى النّدى والمعاليا
حططنا ، فحيّينا مساعيه أنّها * عظام المساعي لا العظام البواليا
مررنا به ، فاستشرفتنا رسومه ، * كما استشرف الرّوض الظّباء الجواريا
وما لاح ذاك التّرب حتّى تحلّبت * من الدّمع أوشال ملأن المآقيا « 1 »
نزلنا إليه عن ظهور جيادنا ، * نكفكف بالأيدي الدّموع الجواريا
ولمّا تجاهشنا البكاء ولم نطق * عن الوجد إقلاعا عذرنا البواكيا
أقول لركب رائحين : تعرّجوا * أريكم به فرعا من المجد ذاويا
ألمّوا عليه عاقرين ، فإنّنا * إذا لم نجد عقرا عقرنا القوافيا
وحطّوا به رحل المكارم والعلى ، * وكبّوا الجفان عنده والمقاريا « 2 »
ولو أنصفوا شقّوا عليه ضمائرا ، * وجزّوا رقابا بالظّبى لا نواصيا
وقفنا ، فأرخصنا الدّموع ، وربّما * تكون على سوم الغرام غواليا
ألا أيّها القبر الذي ضمّ لحده * قضيبا على هام النّوائب ماضيا
هل ابن هلال منذ أودى كعهدنا * هلالا على ضوء المطالع باقيا
وتلك البنان المورقات من النّدى * نواضب ماء أو بواق كما هيا
فإن يبل من ذاك اللّسان مضاؤه ، * فإنّ به عضوا من المجد باقيا
يجيب الدّواعي جائدا ومدافعا ، * هناك مرمّ لا يجيب الدّواعيا « 3 »
هامش
( 1 ) الأوشال ، جمع وشل : الماء القليل ، ويعني هنا الدموع .
( 2 ) الجفان ، جمع جفنة : القصعة - المقاري ، جمع مقرى : إناء يقرى فيه الضيف .
( 3 ) مرم : ساكت .