ضربوا بمدرجة الفناء قبابهم * من غير أطناب ، ولا أوتاد
ركب أناخوا لا يرجّى منهم * قصد لاتهام ، ولا إنجاد
كرهوا النّزول ، فأنزلتهم وقعة * للدّهر باركة بكلّ مقاد
فتهافتوا عن رحل كلّ مذلّل ، * وتطاوحوا عن سرج كلّ جواد
بأدون في صور الجميع ، وإنّهم * متفرّدون تفرّد الآحاد
ممّا يطيل الهمّ أنّ أمامنا * طول الطّريق وقلّة الأزواد
عمري ! لقد أغمدت منك مهنّدا * في التّرب كان ممزّق الأغماد
قد كنت أهوى أن أشاطرك الرّدى ، * لكن أراد اللّه غير مرادي
ولقد كبا طرف الرّقاد بناظري ، * أسفا عليك ، فلا لعا لرقاد « 1 »
ثكلتك أرض لم تلد لك ثانيا ، * أنّى ، ومثلك معوذ الميلاد « 2 »
من للبلاغة والفصاحة إن همى * ذاك الغمام ، وعبّ ذاك الوادي
من للملوك يجزّ في أعدائها * بظبى من القول البليغ حداد
من للممالك لا يزال يلمّها * بسداد أمر ضائع وسداد
من للجحافل يستزلّ رماحها ، * ويردّ رعلتها بغير جلاد « 3 »
من للموارق يستردّ قلوبها * بزلازل الإبراق والإرعاد « 4 »
وصحايف فيها الأراقم كمّن ، * مرهوبة الإصدار والإيراد
تدمى طوائعها ، إذا استعرضتها ، * من شدّة التّحذير والإيعاد
حمر على نظر العدوّ ، كأنّما * بدم يخطّ بهنّ لا بمداد
يقدمن إقدام الجيوش ، وباطل * أن ينهزمن هزائم الأجناد
فقر بها تمسي الملوك فقيرة ، * أبدا إلى مبدي لها ومعاد
وتكون صوتا للحرون ، إذا ونى ، * وعنان عنق الجامح المتمادي
هامش
( 1 ) لا لعا : لعا دعاء للعاثر ، ولا لعا : لا أعان اللّه ولا ساعد .
( 2 ) معوذ الميلاد ، من أعوذه : دعا له بالحفظ .
( 3 ) رعلتها : كثرتها - الجلاد : القتال .
( 4 ) الموارق : الخوارج .