فقلت له : يا ذئب هل لك في فتى * يواسي بلا منّ عليك ولا بخل « 1 »
فقال : هداك اللّه للرّشد إنّما * دعوت لما لم يأته سبع قبلي
فلست بآتيه ولا أستطيعه * ولاك اسقني إن كان ماؤك ذا فضل
فقلت : عليك الحوض إنّي تركته * وفي صغوه فضل القلوص من السّجل
فطرّب يستعوي ذئابا كثيرة * وعدّيت كلّ من هواه على شغل
وهذه القطعة أوردها ابن قتيبة في « كتاب أبيات المعاني » ، والشريف المرتضى في « أماليه » ، والشريف الحسيني في « حماسته » .
وكان النجاشي « 2 » عرض له ذئب في سفر له ، فدعاه إلى الطعام ، وقال له : هل لك ميل في أخ - يعني نفسه - يواسيك في طعامه بغير منّ ولا بخل ؟ فقال له الذئب :
قد دعوتني إلى شيء لم يفعله السّباع قبلي من مؤاكلة بني آدم ، وهذا لا يمكنني فعله ، ولست بآتيه ولا أستطيعه ، ولكن إن كان في مائك الذي معك فضل عمّا تحتاج إليه فاسقني منه .
وهذا الكلام ، وضعه النجاشي على لسان الذئب ، كأنه اعتقد فيه أنه لو كان ممن يعقل أو يتكلّم لقال هذا القول . وأشار بهذا إلى تعسّفه للفلوات التي لا ماء فيها ، فيهتدي الذئب إلى مظانّه فيها لاعتياده لها .
و « الغسل » ، بكسر الغين المعجمة : ما يغسل به الرأس من سدر وخطميّ ، ونحو ذلك . يريد أنّ ذلك الماء كان متغيّر اللون من طول المكث ، مخضرّا ومصفرّا ونحوهما . و « الآجن » ، بالمد وكسر الجيم : الماء المتغيّر الطعم واللون .
وقوله : « قليل به الأصوات » ، يريد أنه قفر لا حيوان فيه ، و « البلد » :
الأرض والمكان ، و « المحل » : الجدب ، وهو انقطاع المطر ، ويبس الأرض من الكلأ ، و « الخليع » : الذي خلعه أهله لجناياته ، وتبرؤوا منه .
و « عليك » : اسم فعل بمعنى الزم ، والحوض مفعوله . و « الصّغو » ، بفتح الصاد المهملة وكسرها وسكون الغين المعجمة : الجانب المائل . و « السّجل » ، بفتح
هامش
( 1 ) البيت للنجاشي الحارثي في أمالي المرتضى 2 / 211 ؛ والحماسة الشجرية 2 / 718 ؛ وشرح أبيات المغني للبغدادي 5 / 195 . وهو بلا نسبة في لسان العرب ( أثر ) ؛ ومقاييس اللغة 1 / 55 .
( 2 ) الخبر بتفصيله في شرح أبيات المغني للبغدادي 5 / 195 بتصرف يسير .