ويصير « وربّما أقام » بيان الحال فيما تقدّم من رئاسته وقت توفّر الناس على قصده وزيارته .
والمعنى : إن متّ وصرت مهجور السّاحة ، وربّما كانت الوفود تزدحم على بابك ، فإنّك السّاعة لم تبعد على من يتعهّدك ، ويريد قضاء حقّك ، وإقامة الرّسم في زيارتك .
ثم قال مستدركا على نفسه :
* بلى كلّ من تحت التّراب بعيد *
ويريد بالمتعهّد متتبّع العهود بالحفظ لها ، ومنعها من الدروس . وإذا رويت « فربّما » وجعلته جواب الشرط يكون « فإنّك لم تبعد » استئناف كلام .
والمعنى : إن هجر فناؤك اليوم فربّما كان مألفا للوفود أيام حياتك . وتقول العرب : هذا بذاك ، أي : عوض من ذاك .
وقال ابن جني في « إعراب الحماسة » : ينبغي أن يكون جواب الشرط مستقبلا ، وربّما جاءت مكانه جملة ماضية « 1 » ، والشرط لا يصحّ إلّا بالاستقبال ، والمستقبل لا يكون علّة للماضي ؛ لئلّا يتقدّم المعلول على علّته .
وإذا كان الأمر كذلك ، فالكلام محمول على معناه دون لفظه . ألا ترى أنّ معناه [ إن « 2 » ] أمسيت هكذا فتسلّ عنه بذكر ما مضى ، أي : فليكن هذا بإزاء ذلك . انتهى .
وهذا البيت من الاستدراك ، وهو من محاسن الشعر . والاستدراك : أن يأخذ الشاعر في معنى يرسله ، أو وصف يذكره يستدركه على نفسه « 3 » .
و « أبو عطاء السّنديّ » قيل اسمه مرزوق ، وهو قول ابن قتيبة « 4 » . وقال أبو
هامش
( 1 ) في حاشية طبعة هارون 9 / 544 : " يقال في النسبة إلى الماضي ماضوى ، وماضي ، والصيغة الأخيرة أرجح .
ونص إعراب الحماسة : وربما كما يرى ماضية " .
( 2 ) زيادة يقتضيها السياق من النسخة الشنقيطية .
( 3 ) انظر في ذلك كتاب تحرير التحبير ص 331 - 338 ؛ وكتاب البديع لابن المعتز ص 108 ؛ ولقد سماه ابن المعتز الرجوع .
( 4 ) الشعر والشعراء 2 / 652 .