أتوهم بعساس اللّبن والعسل ، وألوان الأشربة ، ثم توضع السّفرة والطّعام للعامّة ، ويوضع له ولإخوانه خوان مرتفع ، فيأكل معه الوجوه ثم يتفرّقون للصّلاة ، ثم يأتيه سمّاره فيحضرون مجلسه فيسامرونه حتّى يذهب عامّة الليل .
وكان يسأل كلّ ليلة عشر حوائج ، فإذا أصبحوا قضيت . وكان رزقه ستّمائة ألف درهم ، فكان يقسم كلّ شهر في أصحابه من قومه ، ومن الفقهاء والوجوه وأهل البيوتات أكثر من نصفها .
روي أنّ شريك بن عبد اللّه النّمري سايره يوما ، فبرزت بغلة شريك ، فقال له ابن هبيرة : غضّ من لجامها . فقال شريك : إنّها مكتوبة ، أصلح اللّه الأمير ! فقال ابن هبيرة : ما ذهبت حيث أردت .
وقول ابن هبيرة : « غضّ من لجامها » ، يشير إلى قول جرير « 1 » : ( الوافر )
فغضّ الطّرف إنّك من نمير * فلا كعبا بلغت ولا كلابا
فعرّض له شريك بقول ابن دارة « 2 » : ( البسيط )
لا تأمننّ فزاريّا خلوت به * على قلوصك واكتبها بأسيار
وكان بنو فزارة في العرب يرمون بإتيان الإبل .
وأخبار ابن هبيرة ومحاسنه كثيرة .
وقوله : « ألا إنّ عينا لم تجد » . . . إلخ ، افتتح كلامه بحرف التنبيه ، ثم أخذ يعظّم أمر الفجيعة ، ويبيّن موقعها من النّفوس ، وتأثيرها في القلوب ، فقال : إنّ عينا لم تجد بدمعها عليك يوم واسط لشديدة البخل بما في شؤونها من الماء .
قال الجواليقي في « شرح أدب الكاتب » : « لم تجد » : لم تسمح بالبكاء .
هامش
( 1 ) البيت لجرير في ديوانه ص 821 ؛ وجمهرة اللغة ص 1096 ؛ والدرر 6 / 322 ؛ وشرح المفصل 9 / 128 ؛ ولسان العرب ( حدد ) . وهو بلا نسبة في أوضح المسالك 4 / 411 ؛ وشرح الأشموني 3 / 897 ؛ وشرح شافية ابن الحاجب ص 244 ؛ والكتاب 3 / 533 ؛ والمقتضب 1 / 185 .
( 2 ) البيت لسالم بن دارة في تاج العروس ( مدر ، جوف ) ؛ وتهذيب اللغة 11 / 211 ؛ ولسان العرب ( مدر ، جوف ) . وهو بلا نسبة في أساس البلاغة ( كتب ) ؛ تاج العروس ( كتب ) ؛ وجمهرة اللغة ص 240 ، 256 ، 724 ؛ وكتاب العين 5 / 341 ؛ ولسان العرب ( كتب ) ؛ ومقاييس اللغة 5 / 158 .