وعدّ ابن عصفور هذا من ضرورة الشعر ، قال في « كتاب الضرائر » : ومنه نصب معمول الصفة المشبهة باسم الفاعل في حال إضافته إلى ضمير موصوفها ، نحو قولك : مررت برجل حسن وجهه بنصب الوجه ، ولا يجوز ذلك إلّا في ضرورة نحو قوله :
أنعتها إنّي من نعّاتها * كوم الذّرى وادقة سرّاتها
ألا ترى أنه قد نوّن « وادقة » ونصب معمولها ، وهي مضافة إلى ضمير موصوفها ، وكان الوجه أن ترفع السّرّات « 1 » ، إلّا أنّه اضطرّ إلى استعمال النصب بدل الرفع ، فحمّل الصفة ضميرا مرفوعا عائدا على صاحب الصفة ، ونصب معمول الصفة إجراء له في حال إضافته إلى ضمير الموصوف مجراه إذا لم يكن مضافا إليه .
وكذلك أيضا لا يجوز خفض معمولها في حال إضافته إلى ضمير الموصوف إلّا عند الاضطرار ؛ لأنّ الخفض لا يكون إلّا من نصب .
ومن ذلك قول الأعشى « 2 » : ( المتقارب )
فقلت له هذه هاتها * إلينا بأدماء مقتادها
ألا ترى أنّه أضاف الصفة ، وهي أدماء ، إلى معمولها ، وهو مقتاد في حال إضافته إلى ضمير موصوفه .
وقول الآخر في الصّحيح من القولين « 3 » :
أقامت على ربعيهما جارتا صفا * كميتا الأعالي جونتا مصطلاهما
ألا ترى أنه أضاف الصفة ، وهي « جونتا » إلى معمولها ، وهو « مصطلى » في حال إضافته إلى ضمير موصوفه . انتهى .
ونقل ابن الناظم في « شرح الألفيّة » عن سيبويه أنّ الجرّ في هذا النحو من الضرورات ، وأنّ النصب من القسم الضعيف . وأنشد البيت . ولم يصب العينيّ في
هامش
( 1 ) في طبعة بولاق : " السراة " . وهو تصحيف صوبناه من النسخة الشنقيطية .
( 2 ) البيت للأعشى ميمون في ديوانه ص 119 ؛ وأساس البلاغة ( قود ) ؛ وتاج العروس ( رمم ) ؛ وتهذيب اللغة 15 / 192 ؛ ولسان العرب ( رمم ) ؛ ومقاييس اللغة 2 / 379 .
( 3 ) مر الشاهد آنفا .