سأستعدي على الفاروق ربّا * له دفع الحجيج إلى بساق « 1 »
وأدعو اللّه مجتهدا عليه * ببطن الأخشبين إلى دفاق
إن الفاروق لم يردد كلابا * إلى شيخين هامهما زواقي « 2 »
قال : فبكى عمر بكاء شديدا ، وكتب إلى سعد بن أبي وقّاص بالكوفة يأمره بإقفال كلاب بن أميّة إلى المدينة ، فلمّا دخل عليه قال له : ما بلغ من برّك بأبيك ؟
قال : كنت [ أوثره و ] أكفيه أمره ، وكنت أعتمد إذا أردت أن أحلب [ له ] لبنا أغزر ناقة في إبله وأسمنها ، فأريحها فأتركها حتّى تستقرّ ، ثمّ أغسل أخلافها حتى تبرد ، ثم أحلب له فأسقيه .
فبعث عمر إلى أميّة فجاء يتهادى ، وقد ضعف بصره وانحنى ، فقال له : كيف أنت يا أبا كلاب ؟ فقال : كما ترى يا أمير المؤمنين .
قال : فهل لك من حاجة ؟ قال : نعم أشتهي أن أرى كلابا فأشمّه شمّة ، وأضمّه ضمّة قبل أن أموت !
فبكى عمر وقال : ستبلغ في هذا ما تحبّ إن شاء اللّه ! ثم أمر كلابا أن يحتلب لأبيه ناقة كما كان يفعل ، ويبعث إليه بلبنها . ففعل ، فناوله عمر الإناء ، [ و ] قال :
دونك هذا يا أبا كلاب .
فلمّا أخذه وأدناه إلى فمه قال : لعمر اللّه يا أمير المؤمنين إنّي لأشمّ رائحة يدي كلاب من هذا الإناء . فبكى عمر ، وقال له : هذا كلاب عندك حاضر ، قد جئناك به .
فوثب إلى ابنه فضمّه إليه وقبّله ، وجعل عمر يبكي ومن حضره ، وقال لكلاب :
الزم أبويك [ فجاهد فيهما ] ما بقيا ، ثمّ شأنك بنفسك بعدهما .
هامش
( 1 ) في طبعة بولاق والمعمرين : " له رفع " . وفي طبعة بولاق والنسخة الشنقيطية : " سياق " . وهو تصحيف ظاهر فالروايتان الصحيحتان هما : " بساق - بصاق " .
وفي حاشية النسخة الشنقيطية : " كذا بخط المؤلف رحمه الله ، وصوابه بساق بتقديم الباء ، كغراب " .
وبصاق وبساق : موضع قريب من مكة .
( 2 ) يقال زقت هامته : أي دنت منيته وهلاكه . يقول : قد دنا أجلهما . وأهل الجاهلية كانوا يزعمون أن أرواح الموتى تصير هاما ، وهو طائر يكون عند المقابر . يزقو ، أي : يصيح . وقد أكذبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " لا عدوى ولا هامة ولا صغر " .