فكان يجب أن يكون الفاصل على القياس أنا . ووجهه أنه ليس على الفصل ، بل هو تأكيد للضمير المستتر في يراني ، أو للضمير في أصيب .
وأمّا إن قدّر لو أصبت لم يستقم المعنى ، إذ تقديره يراني مصابا إذا أصابتني مصيبة . ولا يخبر بمثل ذلك عاقل ، إذ لا يتوهّم خلافه . اه .
فالمصاب المذكور عنده اسم مفعول ، لا مصدر .
وقد خفي هذا على ابن هشام فقال في « المغني » بعد نقل كلامه . وعلى ما قدّمناه من تقدير الصفة لا يتّجه الاعتراض .
قال الدمامينيّ في « الحاشية الهندية » : الصفة التي أشار إليها إنّما قدّرها على جعل المصاب مصدرا لا اسم مفعول ، وكلام ابن الحاجب فيما إذا كان المصاب اسم مفعول لا مصدرا ، ولذلك جعله مفعولا ثانيا ليرى ، والمفعول الأول هو « الياء » ، ولولا ذلك لما صحّ بحسب الظاهر .
والاعتراض الذي أشار إليه ابن الحاجب غير متّجه مع الإعراض عن تقدير الصفة ، وذلك لأن مبناه على أن يكون مصابا اسم مفعول نكرة ، والواقع في البيت ليس نكرة ، بل هو معرّف بأل ، والحصر مستفاد من التركيب ، كقولك : زيد هو الفاضل لا غيره .
وكذا المعنى في البيت ، أي : لو أصبت رآني المصاب ، بمعنى أنه لا يرى المصاب إلّا إياي دون غيري ، كأنه لعظم مكانه عنده وشدّة صداقته له ، تتلاشى عنده مصائب غير صديقه ، فلا يرى غيره مصابا ، ولا يرى المصاب إلّا إيّاه ؛ مبالغة .
فالمعنى صحيح متّجه كما رأيت ، بدون تقدير صفة . اه .
وقوله : « لو أصبت » جملة معترضة بين مفعولي يرى ، وجواب لو محذوف يدلّ عليه ما قبله . ويراني بمعنى يعلمني ، وفاعله ضمير صديق ، والجملة خبر كائن .
و « بالأباطح » كان في الأصل صفة لصديق ، فلما قدم عليه صار حالا منه . و « من صديق » تمييز لكائن ، وتمييزها مجرور ب « من » في الغالب . و « كائن » هنا خبرية لإفادة التكثير ككم الخبرية .
ورواه الأخفش في « المعاياة » :
* وكم لي في الأباطح من صديق *