علم يجب أن يكون موافقا للمفعول الأول في الماصدق ، فكيف يصحّ حمل المصاب الذي هو بمعنى المصيبة على الياء في يراني ؟
وأجاب الشارح المحقق عنهما بما ذكره ، وهو أنّ الضمير الحاضر ، وهو « الياء » ، قائم مقام المضاف الغائب ، أي : يرى مصابي هو المصاب . والمعنى يرى مصابي هو المصاب العظيم ، ويسقط بهذا الجواب السؤالان .
ووجه قيام « الياء » مقام المضاف أنّ مفعول يرى في الحقيقة هو المضاف المحذوف ، والياء مضاف إليه ، فلمّا حذف المضاف قام « الياء » المجرور محلّا مقام ذلك المضاف المنصوب على المفعولية ، فالفصل مطابق للمحذوف لا للقائم مقامه .
وإنما وصف المضاف بالغائب لأنّه اسم ظاهر ، وهو في حكم الغائب ، ولهذا يعود ضمير الغيبة إليه . والمصاب على هذا مصدر ميمي ، كقولهم : جبر اللّه مصابك ، أي : مصيبتك . وإنما وصف « 1 » المصاب بالعظيم لتحصل الفائدة . ومثله في حذف الصفة « 2 » :
« الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ »
، أي : بالواضح . وإلّا لكفروا بمفهوم الظّرف ، إذ يكون المعنى : وقبل الآن لم يجئ بالحق ، فيكون إنكارا لما جاء به أولا .
ويجوز أن لا تقدّر الصفة ، ويكتفي بالفائدة الحاصلة من الحصر . والمعنى لو أصبت ، يرى مصيبتي هي المصيبة ولا يعدّ غيرها مصيبة ، وذلك من تأكّد صداقته ، لا يكترث بمصيبة غيري ، ولا يهتمّ لها .
ولصحّة المعنى هنا لم يقدّر الشارح المحقق الصفة . فللّه درّه ما أدقّ نظره !
وهذا الذي ذكره في هذا البيت أحد تخريجين لأبي علي الفارسيّ ، ذكرهما في « إيضاح الشعر » قال : يجوز أن يكون التقدير في « يراني » يرى مصابي ، أي :
مصيبتي ، وما نزل بي المصاب ، كقولك : أنت أنت ومصيبتي المصيبة . أي : ما عداه جلل هين ، فيكون هو فصلا بين المضاف المقدر وبين الظاهر .
واقتصر على هذا التخريج ابن الشجريّ في « أماليه » ثم قال : ولو أنّه قال :
يراه لو أصبت هو المصابا ، فأعاد « الهاء » من يراه إلى الصديق ، والمعنى يرى نفسه ،
هامش
( 1 ) في طبعة بولاق : " وصفنا " . وأثبتنا ما في النسخة الشنقيطية .
( 2 ) سورة البقرة : 2 / 71 .