وهذا البيت أورده الفرّاء في « تفسيره » عند قوله تعالى « 1 » :
« وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ »
في توجيه صحّة الخبر عن المبتدأ فيه ، قال : من كلام العرب قولهم : « إنّما البرّ الصادق الذي يصل رحمه ويخفي صدقته » فيجعل الاسم خبرا للفاعل ، والفعل خبرا للاسم ، لأنّه أمر معروف المعنى .
فأمّا الفعل الذي جعل خبرا للاسم فقوله تعالى « 2 » :
« وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ »
فهو كناية عن البخل . فهذا لمن جعل الذين في موضع نصب وقرأها « تحسبنّ » بالتاء من فوق ، ومن قرأ بالياء من تحت جعل الذين في موضع رفع ، وجعل عمادا للبخل المضمر ، فاكتفى بما ظهر في يبخلون من ذكر البخل . ومثله في الكلام « 3 » : ( البسيط )
هم الملوك وأبناء الملوك لهم * والآخذون به والسّاسة الأول
وقوله : « به » يريد بالملك .
وقال الآخر :
* إذا نهي السّفيه جرى إليه *
البيت يريد إلى السّفه . انتهى .
وأنشده ثعلب أيضا في « أماليه » وقال : أي : جرى إلى السّفه . واكتفى بالفعل من المصدر .
وأورده ابن جنّي أيضا في « إعراب الحماسة » عند قوله « 4 » : ( الطويل )
ولم أر قوما مثلنا خير قومهم * أقلّ به منّا على قومهم فخرا
هامش
( 1 ) سورة البقرة : 2 / 177 .
( 2 ) سورة آل عمران : 3 / 180 .
وقراءة : " ولا تحسبن " بالتاء ، هي قراءة حمزة ، ووافقه المطوعي عليها . وقرأ سائر السبعة : " ولا يحسبن " . بياء الغائب . انظر تفسير أبي حيان 3 / 128 .
( 3 ) في حاشية طبعة هارون 5 / 227 : " للقطامي في ديوانه وهو آخر قصيدة له يمدح فيها قريشا وبني أمية وعبد الواحد الأموي . وانظر أمالي ابن الشجري 1 : 305 " .
( 4 ) البيت لزيادة - أو زياد - الحارثي في الحماسة برواية الجواليقي ص 76 ؛ وشرح الحماسة للأعلم 1 / 249 ؛ وشرح الحماسة للتبريزي 1 / 130 ؛ وشرح الحماسة للمرزوقي ص 244 .