فإن قلت : إذا كان أصل فم عندك فوه ، فما تقول في قول الفرزدق « 1 » :
* هما نفثا في فيّ من فمويهما *
وإذا كانت الميم بدلا من الواو فكيف جاز له الجمع بينهما ؟
فالجواب : أن أبا عليّ حكى لنا عن أبي بكر وأبي إسحاق ، أنهما ذهبا إلى أنّ الشاعر جمع بين العوض والمعوّض منه ؛ لأنّ الكلمة مجهورة منقوصة .
وأجاز أبو عليّ أيضا فيه وجها آخر ، وهو أن تكون الواو في فمويهما لا ما في موضع الهاء من الإفواه ، وتكون الكلمة يعتقب عليها لأمان : هاء مرة ، وواو أخرى ، فيجرى هذا مجرى سنة وعضة .
ألا نراهما في قول من قال سنوات ، وأسنتوا ، ومساناة ، وعضوات ، واويّين ، وتجدهما في قول من قال سنة سنهاء وبعير عاضه ، هائيّين . وإذا ثبت بما قدّمناه أن عين فم في الأصل واو ، فينبغي أن يقضى بسكونها ، لأنّ السكون هو الأصل .
فإن قلت : فهلّا قضيت بحركة العين بجمعك إيّاه على أفواه ، نحو بطل وأبطال ، وقدم وأقدام ، ورسن وأرسان ؟
فالجواب : أن فعلا مما عينه واو بابه أيضا أفعال ، كسوط وأسواط ، وحوض وأحواض ، ففوه لأنّ عينه واو بسوط أشبه منه بقدم ورسن . فاعرف ذلك . انتهى كلام ابن جنّي باختصار قدر النصف .
وقول الشارح : « والجمع أفمام » . يوهم أنه مسموع ، وقد نصّ ابن جنّي وصاحب الصحاح على أنه لا يقال ذلك .
والبيت من أرجوزة للعجّاج ، وقد تقدّمت ترجمته في الشاهد الحادي والعشرين من أوائل الكتاب « 2 » .
ورواية الشارح للبيت غير جيدة ، والصواب :
* يا ليتها قد خرجت من فمّه *
هامش
( 1 ) هو الشاهد رقم 326 من شواهد الخزانة وهو في الجزء الرابع .
( 2 ) الخزانة الجزء الأول ص 176 .