الهاجي لك ولي [ فما ترين فيه ؟ ] « 1 » ! قالت : أو تطيعني [ فيه ] ؟ قال : نعم . قالت :
أرى أن تردّ عليه ماله وتعفو عنه وتحبوه ، وأفعل مثل ذلك ، فإنه لا يغسل هجاءه إلّا مدحه ! فخرج فقال : إنّ أمّي سعدى التي كنت تهجوها ، قد أمرت فيك بكذا وكذا ! فقال : لا جرم ، والله لا مدحت حتّى أموت أحدا غيرك . ففيه يقول « 2 » :
( الوافر )
إلى أوس بن حارثة بن لأم * ليقضي حاجتي فيمن قضاها
فما وطئ الثّرى مثل ابن سعدى * ولا لبس النّعال ولا احتذاها
هذا ما أروده المبرّد ، ولم يذكر كيف تمكّن منه أوس .
وقد حكاه معمر بن المثنّى في « شرحه » قال : إنّ بشر بن أبي خازم غزا طيئا ثم بني نبهان ، فجرح فأثقل جراحة ، وهو يومئذ بحمى أحد أصحابه وإنّما كان في بني والبة ، فأسرته بنو نبهان فخبّؤوه كراهية أن يبلغ أوسا ، فسمع أوس أنه عندهم فقال :
واللّه لا يكون بيني وبينهم خير أبدا أو يدفعوه !
ثم أعطاهم مائتي بعير وأخذه منهم ، فجاء به وأوقد له نارا ليحرّقه - وقال بعض بني أسد : لم تكن نار ، ولكنّه أدخله في جلد بعير حين سلخه ، ويقال جلد كبش ، ثم تركه حتّى جفّ عليه فصار فيه كأنه العصفور « 3 » - فبلغ ذلك سعدى بنت حصين الطائيّة ، وهي سيّدة « 4 » ، فخرجت إليه فقالت : ما تريد أن تصنع ؟ فقال : أحرق هذا الذي شتمنا . فقالت : قبح اللّه قوما يسوّدونك أو يقتبسون من رأيك ، واللّه لكأنّما أخذت به ، أما تعلم منزلته في قومه ، خلّ سبيله وأكرمه ، فإنه لا يغسل عنك ما صنع غيره .
فحبسه عنده وداوى جرحه ، وكتمه ما يريد أن يصنع به ، وقال : ابعث إلى قومك يفدونك ، فإني قد اشتريتك بمائتي بعير . فأرسل بشر إلى قومه فهيّؤوا له الفداء ، وبادرهم أوس فأحسن كسوته وحمله على نجيبه الذي كان يركبه ، وسار
هامش
( 1 ) زيادة يقتضيها السياق من الكامل في اللغة 1 / 137 .
( 2 ) البيتان في ديوان بشر بن أبي خازم ص 222 . وتاج العروس ( لؤم ) ؛ والكامل في اللغة 1 / 137 . وهو بلا نسبة في لسان العرب ( لأم ) .
( 3 ) كذا وردت وأراد بها المبالغة .
( 4 ) أراد أنها ذات سيادة في عشيرتها .