أراد أن سيبويه لم يورد هذا البيت في كتابه ، بل زاده غيره في كتابه . وإنّما برّأ سيبويه من هذا ، لأنّ سيبويه لا يرى الفصل بغير الظرف ؛ وإذا كان هذا مذهبه ، فكيف يورد بيتا على خلاف مذهبه . ومنه يظهر لك سقوط قول الجعبريّ في « شرح الشاطبيّة » فإنه بعد أن زعم أن البيت من أبيات الكتاب قال :
فإن قلت : فما معنى قول المفصّل : بريء من عهدته ؟ قلت : معناه من عهدة هذه الرواية ، لأنّه يرويه :
* زجّ القلوص أبو مزاده *
بجرّ القلوص بالإضافة ، ورفع أبو مزادة فاعل المصدر . هذا كلامه .
ثم قوله : إن هذا البيت أنشده الأخفش والفرّاء ، أقول : نقل الفرّاء لهذا البيت ليس لتأييد قراءة ابن عامر الآتية ، وإنما نقله للطعن فيه بأنه كلام من لا يوثق به ، كما يظهر لك من كلام الفرّاء الآتي .
قال ابن جنّي في « الخصائص » : قد فصل بالمفعول به مع قدرته أن يقول : زجّ القلوص أبو مزاده « 1 » . وفيه عندي دليل على قوّة إضافة المصدر إلى الفاعل عندهم وأنه في نفوسهم أقوى من إضافته إلى المفعول . ألا تراه ارتكب هاهنا الضرورة مع تمكّنه من ترك ارتكابها ، لا لشيء غير الرغبة في إضافة المصدر إلى الفاعل دون المفعول . وهذا في النثر وحال السّعة صعب جدّا ، لا سيّما والمفصول به مفعول لا ظرف ا ه .
وبقوله : « لا لشيء غير الرغبة الخ » ، يعلم أنّ قول العينيّ : إنّ قائله ليس له عذر في هذا إلّا مسّ الضرورة لإقامة الوزن ، صادر عن غير رويّة وفكر .
ونقل جماعة عن ابن جنّي في توجيهه : أنّه يقدّر في الأول مضاف إليه وفي الثاني مضاف ، والتقدير : زجّ أبي مزادة القلوص قلوص أبي مزادة ، على أن يكون قلوص بدلا من القلوص . وتعسّفه ظاهر . ونقل ابن المستوفى عن الزمخشريّ في « حواشيه » أنّه قال : الوجه أن يجرّ القلوص ويجعل أبي مزادة بعده مجرورا بمضاف محذوف ، تقديره : قلوص أبي مزادة ، كما في « 2 » : ( المتقارب )
هامش
( 1 ) بعده في الخصائص 2 / 406 : " كقولك سرني أكل الخبز زيد " .
( 2 ) عجز بيت لأبي دواد الإيادي ؛ وصدره : -