قبره كأسا ؛ فمات الدّهقان فكان الأسديّ ينادم قبريهما ويشرب قدحا ويصبّ على قبريهما قدحين ، ويترنّم بهذا الشعر :
خليليّ هبّا طالما قد رقدتما * . . . . . . . . . . . . . . البيت
ألم تعلما ما لي براوند كلها * ولا بخزاق من صديق سواكما ؟
أصبّ على قبريكما من مدامة * فإلّا تنالاها تروّ جثاكما
أقيم على قبريكما . . . . * . . . . . . . . . . . . . . البيت
وأبكيكما حتى الممات وما الذي * . . . . . . . . . . . . . البيت
جرى النّوم بين الجلد واللحم منكما * كأنكما ساقي عقار سقاكما
وروى الأصبهاني في « الأغاني » بسنده إلى يعقوب بن السكّيت ، أنّ هذا الشعر لعيسى بن قدامة الأسديّ « 1 » ، قدم قاشان « 2 » وله نديمان ، فماتا فكان يجلس عند قبريهما وهما براوند بموضع يقال له خزاق ، فيشرب ويصبّ على القبرين حتى يقضي وطره ثم ينصرف ، وينشد وهو يشرب - وروى ما رواه أبو تمام « 3 » ، وزاد عليه .
تحمّل من يبغي القفول وغادروا * أخا لكما أشجاه ما قد شجاكما « 4 »
وأيّ أخ يجفو أخا بعد موته * فلست الذي من بعد موت جفاكما
أناديكما كيما تجيبا وتنطقا * وليس مجابا صوته من دعاكما
قضيت بأنّي لا محالة هالك * وأنّي سيعروني الذي قد عراكما
وروى الأصبهاني أيضا بسنده إلى عبد الله بن صالح البجليّ « 5 » أنه قال : بلغني أن ثلاثة نفر من أهل الكوفة كانوا في الجيش الذي وجّهه الحجّاج إلى الديلم ، وكانوا يتنادمون ولا يخالطون غيرهم ، وإنّهم لعلى ذلك إذ مات أحدهم ، فدفنه صاحباه ، فكانا يشربان عند قبره فإذا بلغه الكأس هراقاها « 6 » على قبره وبكيا . ثم إنّ الثاني مات
هامش
( 1 ) الخبر في الأغاني 15 / 248 .
( 2 ) في الأغاني : " قاسان " بالمهملة .
( 3 ) الخبر فيه نظر ، فإن هناك تخالفا في الرواية وعدد الأبيات . انظر في ذلك الأغاني 15 / 248 - 249 .
( 4 ) في طبعة بولاق : " يبقي العقول " . وهو تصحيف صوابه من الطبعة السلفية 2 / 75 نقلا عن النسخة الشنقيطية .
( 5 ) في حاشية الطبعة السلفية 2 / 75 : " وكذا في ش " . وفي الأغاني 15 / 249 عن البلاذري : " عبد الله بن صالح بن مسلم العجلي " . ومثله في كتاب فتوح البلدان للبلاذري ص 454 .
( 6 ) في طبعة بولاق : " هرق " . وفي الشنقيطية : " هرقا " صوابهما من الأغاني وفتوح البلدان .