فوحى أبو الفضل إلى حاجبه بقرطاس فيه مائتا دينار ، وسيف غشاؤه فضّة ، وقال : هذا عوض عن السيف المأخوذ ؛ وأفرد له دارا نزلها . فلما استراح من تعب السفر كان يغشى أبا الفضل كلّ يوم ويقول : ما أزورك إكبابا إلّا لشهوة النظر إليك ! ويؤاكله . وكان أبو الفضل يقرأ عليه ديوان اللغة الذي جمعه ويتعجّب من حفظه وغزارة علمه . فأظلّهم النيروز ، فأرسل أبو الفضل بعض ندمائه إلى المتنبّي :
كان يبلغني شعرك بالشام والمغرب ، وما سمعته دونه ! فلم يحر جوابا ، إلى أن حضره النّيروز وأنشده مهنّئا ومعتذرا فقال : ( الخفيف )
هل لعذري إلى الهمام أبي الفض * ل قبول ، سواد عيني مداده
ما كفاني تقصير ما قلت فيه * عن علاه حتّى ثناه انتقاده
إنّني أصيد البزاة ، ولك * نّ أجلّ النّجوم لا أصطاده
ما تعوّدت أن أرى كأبي الفض * ل وهذا الّذي أتاه اعتياده « 1 »
فأخبرني البديهيّ ، سنة ثلاثمائة وسبعين : أن المتنبي قال بأرّجان : الملوك قرود يشبه بعضهم بعضا ، على الجودة يعطون . وكان حمل إليه أبو الفضل خمسين ألف دينار ، سوى توابعها ؛ وهو من أجاود زمان الدّيلم .
وكذلك أبو المطرف وزير مرداويج ، قصده شاعر من قزوين فأنشده وأمّله مادّة نفقة يرجع بها إلى بلده ، فكتب إليه أبياتا أولها : ( الوافر )
أأقلام بكفّك أم رماح * وعزم ذاك ، أم أجل متاح
فقال أبو المطرّف : أعطوه ألف دينار .
وكذلك أبو الفضل البلعميّ وزير بخارى ، أعطى المطرانيّ الشاعر على قصيدته التي أولها :
* لا شرب إلّا بسير الناي والعود *
خمسة عشر ألف دينار .
وكذلك خلف صاحب سجستان ، أعطى أبا بكر الحنبليّ خمسة آلاف دينار على كلمة فيه .
هامش
( 1 ) في طبعة بولاق والنسخة الشنقيطية : " كأبي الفتح " . وهو تصحيف صوابه من الديوان .