هل لا مني من صاحب صاحبته * من حاسر أو دارع أو مرتدي
واعلم أنّ « عمّرتك الله » في البيتين بتشديد الميم ؛ كما يدلّ عليه كلام سيبويه المنقول في كلام الشارح ، وهو قوله : « والأصل عند سيبويه : عمّرتك الله تعميرا إلخ « 1 » » . ومثله في « العباب » للصاغاني : وقولهم « عمّرتك الله » ، أي : سألت الله تعميرك . وأنشد البيت الأول ، ثم قال : وقال جل ذكره « 2 » :
« أَ وَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ »
.
ويجوز عندي أن يكون قولهم عمرك الله مصدرا لفعل ثلاثيّ ، وهو : فلان يعمره من باب نصر ، أي : يعبده بالصلاة والصوم ونحوهما ، وفلان عمّار ، أي :
كثير الصلاة والصوم ؛ فيكون منصوبا على نزع الباء القسمية ومضافا إلى فاعله ، أي : بعبادتك الله . ولم أر من شرحه على هذا الوجه .
و « الأحوص » « 3 » من الحوص بمهملتين ، وهو ضيق في مؤخر العين ، وقيل : في أحد العينين . وهو الأحوص بن محمد بن عبد الله بن عاصم بن ثابت ، يسمّى « حميّ الدّبر « 4 » » أي : محميّها ، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه في بعث ، فقتله المشركون ، وأرادوا أن يصلبوه . ويمثّلوا به ، فحمته الدّبر - وهي النحل - فلم يقدروا عليه « 5 » .
والأحوص مقدّم عند أهل الحجاز وأكثر الرواة ، لولا أفعاله الدنيئة ؛ لأنّه أسمحهم طبعا ، وأسلسهم كلاما ، وأصحّهم معنى ؛ ولشعره رونق وحلاوة ، وعذوبة ألفاظ ليست لأحد . وهو محسّن في الغزل والفخر والمدح . وكان يشبّب بنساء أشراف المدينة ، ويشيع ذلك في الناس ؛ فنهي فلم ينته . فشكي « 6 » إلى عامل سليمان بن عبد الملك ، وسئل الكتابة فيه إليه ، ففعل فكتب سليمان يأمره أن يضربه
هامش
( 1 ) الرضي : 1 / 107 .
( 2 ) سورة فاطر : 35 / 37 .
( 3 ) انظر في ترجمته الأغاني 4 / 224 ؛ وشرح أبيات المغني 5 / 19 ؛ والشعر والشعراء ص 424 ؛ والمؤتلف ص 59 .
( 4 ) في طبعة بولاق : " الدبرة " . وهو تصحيف . والمقصود به عاصم بن ثابت .
والدبر - بالفتح - جماعة النحل والزنابير .
( 5 ) خبره في صحيح البخاري بشرح الفتح 6 / 115 ، 7 / 240 .
( 6 ) في شرح أبيات المغني 5 / 20 : " فشكي إلى سليمان بن عبد الملك فأمر عامله بالمدينة أن يضربه مائة . . . "