رحلته الأولى إلى دمشق :
يوم كان اللقاء دائرا حول مدينة بغداد بين جند الشاه الصفوي عباس ، وجند السلطان العثماني مراد الرابع ، آثر الشاب اليافع عبد القادر البغدادي أن ينزح عن بغداد إلى بلد آمن ينعم فيه بالسكينة والاستقرار ، ويتفرغ لمعارفه وعلومه ، فنزح إلى دمشق ينشد فيها الهدوء والسكينة .
وإذا كنا نجهل كليا نشأة البغدادي الأولى ، فإن المصادر التي ترجمت له لا تسعفنا في إلقاء الضوء على ولادته ، وأسرته وحياته الأولى ، وتحصيله العلمي ، كل الذي استطعنا معرفته أنه خرج من بغداد ، وهو ابن ثماني عشرة سنة ، وهو متقن للغتين الفارسية والتركية « 1 » إضافة إلى لغته الأصلية العربية .
حط رحاله في دمشق ، ونزل على نقيب الشام ، العلامة محمد بن كمال الدين الحسيني « 2 » ، كبير آل حمزة ، الذي بوأه منزلا في المسجد قبالة داره في زقاق النقيب « 3 » ، المعروف إلى يومنا هذا في دمشق ، في حي العمارة ، ومكث في جواره سنة كاملة معززا مكرما ، صادف منه كل رعاية وعطف وعناية .
وفي دمشق بدأت حياة البغدادي العلمية تتبلور لتأخذ طريقها الواضح في تلقي العلوم على يد الشيوخ الفحول ، ففيها نهل من معين السيد النقيب الذي كان أول
هامش
( 1 ) يقول عنه المحبي في كتابه خلاصة الأثر 2 / 451 :
« . . . وهو أحسن المتأخرين معرفة باللغة والأشعار والحكايات البديعة ، مع التثبت في النقل وزيادة الفضل ، والانتقاد الحسن ، ومناسبة إيراد كل شيء منها في موضعه ، مع اللطافة وقوة المذاكرة ، وحسن المنادمة ، وحفظ اللغة الفارسية والتركية ، وإتقانهما كل الإتقان ، ومعرفة الأشعار الحسنة منهما وأخبار الفرس . خرج من بغداد ، وهو متقن لهذه اللغات الثلاث » .
( 2 ) محمد بن كمال الدين بن محمد بن حسين بن محمد بن حمزة الحسيني ، المنتمي الحنفي المذهب . ولد بمدينة دمشق سنة 1024 وتوفي فيها سنة 1085 . كان نقيب الشام ، فقيها ، محدثا نحويا شاعرا ، وكان ممن يكثر السفر إلى بلاد الروم ، ثم رجع إلى الشام وأقام بها وتولى النيابة الكبرى . ولما توفي والده تولى مكانه في النقابة وانعقدت عليه صدارة الشام . وله حاشية على شرح الألفية لابن الناظم . انتفع بعلمه خلق كثير . ( خلاصة الأثر 4 / 124 - 131 ) .
( 3 ) حيّ معروف بدمشق إلى الآن ، كان فيه منزل الأمير عبد القادر الجزائري وبنيه وأحفاده ، وفيه منازل آل حمزة إلى الآن . وبه كان ينزل الشيخ طاهر الجزائري قبل مجيئه إلى مصر ، كما ذكر الأستاذ محب الدين الخطيب .