تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 99

مساهمون:

ص٩٩
من هذا البلاء ؟ على أن الثناء طعم « 1 » ، ولعلّك ألّا تطعمه « 2 » ، والحمد أرزاق ولعلك ألّا تجرمه ، وما يضيع من إحسان الناس أكثر « 3 » . وعلى أن الحفظ « 4 » قد ذهب بموت أهله ، ألا ترى أن الشّعر لمّا كسد أفحم أهله ، ولمّا دخل النقص على كل شئ أخذ الشعر منه بنصيبه ؟ ولمّا تحولت الدولة في العجم - والعجم لا تحوط الأنساب ، ولا تحفظ المقامات ، لأن من كان في الرّيف « 5 » والكفاية ، وكان مغمورا بسكر الغنى ، كثر نسيانه ، وقلّت خواطره ، ومن احتاج تحركت همته ، وكثر تنقيره « 6 » ، وعيب الغنى أنه يورّث البلادة ، وفضيلة الفقر أنه يبعث الفكر ، وإن أنت صحبت الغنى بإهمال النفس أسكرك الغنى ، وسكر الغنى سبّة المستأكلين ، ونهزة الخدّاعين ، وإن كنت لا ترضى بحظّ النائم ، وبعيش البهائم ، وأحببت أن تجمع مع تمام نفس المثرى ، ومع عز الغنى وسرور القدرة ، فطنة المخفّ ، وخواطر المقلّ ، ومعرفة الهارب ، واستدلال الطالب ، اقتصدت في الإنفاق ، وكنت معدّا للحدثان ، ومحترسا من كل خدّاع . لست تبلغ حيل لصوص النهار ، وحيل سرّاق الليل ، وحيل طرّاق البلدان ، وحيل أصحاب الكيمياء ، وحيل التجّار في الأسواق ، والصّنّاع في جميع الصناعات ، وحيل أصحاب الحروب ، وحيل المستأكلين والمتكسّبين ، ولو جمعت الخبر « 7 » والسّحر والتمائم « 8 » والسم ، لكانت حيلهم في الناس أشد تغلغلا ، وأعرض وأسرى في عمق
هامش
( 1 ) جمع طعمة : وهي المأكلة . ( 2 ) أي إن جدت وأسرفت » وقوله « ألا تحرمه » أي إن بخلت وأمسكت ، وربما كان الأصل « أن تطعمه » على تقدير « إن بخلت » كما هو التقدير في الثاني . ( 3 ) أي أن الضائع من أخبار الإحسان أكثر مما يبقى منها ، فلا تغتر بأن الإحسان يبقى لك حسن الذكر فإنه عرضة للنسيان . ( 4 ) أي حفظ الجميل والمعروف أو حفظ أخبار الكرماء . ( 5 ) الريف : الأرض فيها زرع وخصب . ( 6 ) أي بحثه عن الأنساب ومنازل الرجال وأخبار الناس ويامهم ليتخذ من ذلك بضاعة للمديح . ( 7 ) الخبر : تمام المعرفة . ( 8 ) التمائم : جمع تميمة ، وهي خرزة أو نحوها يعلقها الأعراب على أولادهم لدفع الشر .