فخذ فيما تعلم ، ودع نفسك مما لا تعلم ، هل رأيت أحدا قطّ أنفق مآله على قوم كان غناهم سبب فقره أنّه سلّم « 1 » عليهم حين افتقر فردّوا عليه ، فضلا على غير ذلك « 2 » ؟
أو لست قد رأيتهم بين محمّق ومحتجب عنه ، وبين من يقول : فهلّا أنزل حاجته بفلان الذي كان يفضّله ويقدّمه ، ويؤثره ويخصّه ؟ ثم لعلّ بعضهم أن يتجنّى عليه ذنوبا ليجعلها عذرا في منعه ، وسببا إلى حرمانه ، قال اللّه جل ذكره :
« يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ . خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ
« 3 » » فأنا القائم عليك بالموعظة والزجر والأمر والنهى ، وأنت سالم العقل والعرض ، وافر المال ، حسن الحال ، فاتّق أن أقوم غدا على رأسك بالتقريع والتعيير ، وبالتوبيخ والتأنيب ، وأنت عليل القلب ، مختلّ العرض ، عديم من المال ، سيىء الحال ، ليس جهد البلاء « 4 » مدّ الأعناق ، وانتظار وقع السيوف ، لأن الوقت قصير ، والحسّ مغمور ، ولكن جهد البلاء أن تظهر الخلّة « 5 » ، وتطول المدّة ، وتعجز الحيلة ، ثم لا تعدم صديقا مؤنّبا ، وابن عمّ شامتله وجارا حاسرا « 6 » ، ووليّا قد تحوّل عدوا ، وزوجة مختلعة « 7 » ، وجارية مستبيعة « 8 » ، وعبدا يحقرك ، وولدا ينتهرك ، فانظر أين موقع فوت الثناء من موقع ما عددنا عليك
هامش
( 1 ) المصدر المؤول بدل من أحدا .
( 2 ) أي فضلا على الإيذاء والتشنيع وعدم الوفاء له .
( 3 ) سياق الآية الكريمة أن من استطاع أن يعمل شيئا ولم يعمله ، أسف عند فوات الفرصة على عجزه عن عمله .
( 4 ) جهد البلاء : غاية ما تصل إليه المصيبة .
( 5 ) الخلة : الفاقة والحاجة .
( 6 ) الحاسر : المتلهف الحزين .
( 7 ) المختلعة : من دفعت إلى زوجها مالا فطلقها .
( 8 ) استباعه الشئ : سأله أن يبيعه إياه ، والجارية المستبيعة : هي التي سألت سيدها أن يبيعها والسبب هنا فقره وضيق الحياة عنده .