صلى اللّه عليه وسلم : « لا خلابة « 1 » » واحذر احتمال مديحهم ، فإن محتمل المديح في وجهه كمادح نفسه .
إنّ مالك لا يسع مريديه ، ولا يبلغ رضا طالبيه ، ولو أرضيتهم بإسخاط مثلهم لكان ذلك خسرانا مبينا ، فكيف ومن يسخط أضعاف من يرضى ؟ وهجاء الساخط أضرّ من فقد مديح الراضي ، وعلى أنهم إذا اعتوروك بمشاقصهم « 2 » ، وتداولوك بسهامهم ، لم تر ممن أرضيته بإسخاطهم أحدا يناضل عنك . ولا يهاجى شاعرا دونك ، بل يخلّيك غرضا لسهامهم ، ودريئة « 3 » لنبالهم ، ثم يقول : وما كان عليه لو أرضاهم ! فكيف يرضيهم ، ورضا الجميع شئ لا ينال ؟ وقد قال الأول : وكيف يتّفق لك رضا المختلفين ؟ وقالوا : منع الجميع أرضى للجميع ، إني أحذّرك مصارع المخدوعين ، وأرفعك عن مضاجع المغبونين ، ولست « 4 » كمن لم يزل يقاسى تعذّر الأمور ، ويتجرّع مرارة العيش ، ويتحمل ثقل الكدّ ، ويشرب بكأس الذل ، حتى يكاد يمرن على ذلك جلده ، ويسكن عليه قلبه ، وفقر مثلك مضاعف الألم ، وجزع من لم يعرف الألم أشدّ ، ومن لم يزل فقيرا فهو لا يعرف الشامتين ، ولا يدخله المكروه من سرور الحاسدين ، ولا يلام على فقره ، ولا يصير موعظة لغيره ، وحديثا يبقى ذكره ، ويلعنه بعد الممات ولده .
ودعني من حكايات « 5 » المستأكلين ، ورقى الخادعين ، فما زال الناس يحفظون أموالهم من مواقع السّرف ، وبجنّبونها وجوه التبذير ، ودعني مما لا نراه إلا في الأشعار المتكلّفة ، والأخبار المولّدة ، والكتب الموضوعة ، فقد قال بعض أهل زماننا : ذهبت المكارم إلا من الكتب .
هامش
( 1 ) الخلابة : الخداع ، وفي الحديث « إذا بايعت فقل : لا خلابة » .
( 2 ) المشاقص : جمع مشقص كمنبر ، وهو النصل العريض .
( 3 ) ما يستتر به .
( 4 ) في النسخ إنك كمن الخ وهو غير مناسب لسياق المعنى . لأنه يريد أن يقول : إنك لم تعتد الفقر حتى يكون ألمه خفيفا ، وفقر مثلك بعد الغنى يكون مضاعف الآلام شديد الوقع .
( 5 ) أي ما يخترعونه من حكايات مكذوبة في الكرم الذي تجاوز الحد لخداع ضعفاء العقول .
( 7 - جمهرة رسائل العرب - رابع )