تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 67

مساهمون:

ص٦٧
وأرجو أن يكون اللّه قد أغاث المحقّين ، ورحمهم ، وقوّى ضعفهم ، وكثّر قلّتهم ، حتى صار ولاة أمرنا في هذا الدهر الصعب ، والزمن الفاسد ، أشدّ استبصارا في التشبيه من عليتنا ، وأعلم بما يلزم فيه منا ، وأكشف للقناع من رؤسائنا ، وصادفوا « 1 » الناس وقد انتظموا معان « 2 » الفساد أجمع ، وبلغوا غايات البدع ، ثم قرنوا بذلك العصبية التي هلك بها عالم بعد عالم ، والحميّة التي لا تبقى دينا إلا أفسدته ، ولا دنيا إلا أهلكتها ، وهو ما صارت إليه العجم من مذهب الشّعوبيّة « 3 » ، وما قد صار إليه الموالى من الفخر على العجم والعرب ، وقد نجمت من الموالى ناجمة ، ونبتت منهم نابتة ، تزعم أن المولى بولائه قد صار عربيا ، لقول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « مولى القوم منهم » ولقوله : « الولاء لحمة « 4 » كلحمة النّسب ، لا يباع ولا يوهب » قال : فقد علمنا أن العجم حين كان فيهم الملك والنبوّة كانوا أشرف من العرب ، ولمّا حوّل ذلك إلى العرب صارت العرب أشرف منهم ، قالوا : فنحن معاشر الموالى - بقديمنا في العجم - أشرف من العرب ، - وبالحديث الذي صار لنا في العرب - أشرف من العجم ، وللعرب القديم دون الحديث ، ولنا خصلتان جميعا وافرتان فينا ، وصاحب الخصلتين أفضل من صاحب الخصلة ، وقد جعل اللّه المولى - بعد أن كان عجميا - عربيا بولائه ، كما جعل حليف قريش من العرب قرشيّا بحلفه ، وجعل إسماعيل - بعد أن كان أعجميا - عربيا ، ولولا قول النبي صلى اللّه عليه وسلم « إن إسماعيل كان عربيا » ما كان عندنا إلا أعجميا ، لأن الأعجمى لا يصير عربيا ، كما أن العربىّ لا يصير أعجميا ، فإنما علمنا أن إسماعيل صيّره اللّه عربيا بعد أن كان أعجميا ، بقول النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فكذلك حكم قوله « مولى القوم منهم » وقوله « الولاء لحمة » قالوا : وقد جعل اللّه إبراهيم عليه السلام أبا لمن لم يلد ، كما جعله أبا
هامش
( 1 ) في الأصل : « وصارفوا » وهو تحريف . ( 2 ) المعان : المباءة والمنزل . ( 3 ) هم محتقرو أمر العرب . ( 4 ) اللحمة : القرابة .