تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 66

مساهمون:

ص٦٦
عليه إلّا هو ، غير أن اللّه مع ذلك كلّه لم يخلقه ، فأعطوا جميع صفات الخلق ، ومنعوا اسم الخلق . والعجب أن الخلق عند العرب إنما هو التقدير نفسه ، فلذا قالوا : خلق كذا وكذا ، ولذلك قال : « أحسن الخالقين » وقال : « وتخلقون إفكا » وقال : « وإذ تخلق من الطّين كهيئة الطّير » فقالوا : صنعه وجعله وقدّره ، وأنزله وفصّله وأحدثه ، ومنعوا « خلقه » وليس تأويل « خلقه » أكثر من « قدّره » ولو قالوا بدل قولهم « قدّره ولم يخلقه » : « خلقه ولم يقدّره » ما كانت المسألة عليهم إلا من وجه واحد . والعجب أن الذي منعه بزعمه أن يزعم أنه مخلوق ، أنه لم يسمع ذلك من سلفه ، وهو يعلم أنه لم يسمع أيضا من سلفه أنه ليس بمخلوق ، وليس ذلك يهمّ ، ولكن لما كان الكلام من اللّه تعالى عندهم على مثل خروج الصوت من الجوف ، وعلى جهة تقطيع الحروف وإعمال اللسان والشفتين ، وما كان على غير هذه الصورة والصفة فليس بكلام ، ولمّا كنا عندهم على غير هذه الصفة ، وكنا لكلامنا غير خالقين ، وجب أن اللّه عز وجل لكلامه غير خالق ، إذ كنّا لكلامنا غير خالقين ، فإنما قالوا ذلك لأنهم لم يجدوا بين كلامنا وكلامه فرقا ، وإن لم يقرّوا بذلك بألسنتهم ، فذلك معناهم وقصدهم . وقد كانت هذه الأمة لا تجاوز معاصيها الإثم والضلال ، إلا ما حكيت لك عن بنى أمية وبنى مروان وعمّالهم ، ومن لم يدن بإكفارهم ، حتى نجمت النوابت ، وتابعتها هذه العوامّ ، فصار الغالب على هذا القرن الكفر ، وهو التشبيه والجبر ، فصار كفرهم أعظم من كفر من مضى في الأعمال التي هي الفسق ، وصاروا شركاء « 1 » من كفر منهم بتولّيهم وترك إكفارهم ، قال اللّه عز وجل من قائل
« وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ »
.
هامش
( 1 ) في الأصل « وشركاء » .