ومما يدل على أن القوم لم يكونوا إلّا في طريق التمرّد على اللّه عز وجل ، والاستخفاف بالدين ، والتهاون بالمسلمين ، والابتذال لأهل الحق ، أكل أمرائهم الطعام ، وشربهم الشراب ، على منابرهم أيام جمعهم « 1 » وجموعهم ، فعل ذلك حبيش ابن دلجة « 2 » ، وطارق « 3 » مولى عثمان ، والحجاج بن يوسف وغيرهم ، وذلك إن كان كفرا كلّه فلم يبلغ كفر نابتة عصرنا ، وروافض دهرنا ، لأن جنس كفر هؤلاء غير كفر أولئك . كان اختلاف الناس في القدر على أن طائفة تقول : كلّ شئ بقضاء وقدر ، وتقول طائفة أخرى : كل شئ بقضاء وقدر إلا المعاصي ، ولم يكن أحد يقول : إن اللّه يعذب الأبناء ليغيظ الآباء ، وإن الكفر والإيمان مخلوقان في الإنسان مثل العمى والبصر ، وكانت طائفة منهم تقول : إن اللّه يرى ، لا تزيد على ذلك ، فإن خافت أن يظنّ بها التشبيه ، قالت : يرى بلا كيف ، تقزّزا من التجسيم والتصوير ، حتى نبتت هذه النابتة ، وتكلمت هذه الرافضة ، فقالت جسيما ، وجعلت له صورة وحدّا ، وأكفرت من قال بالرؤية على غير التجسيم والتصوير .
ثم زعم أكثرهم أن كلام اللّه حسن وبيّن وحجة وبرهان ، وأن التوراة غير الزّبور ، والزّبور غير الإنجيل ، والإنجيل غير القرآن ، والبقرة غير آل عمران ، وأن اللّه تولى تأليفه ، وجعله برهانه على صدق رسوله ، وأنه لو شاء أن يزيد فيه زاد ، ولو شاء أن ينقص منه نقص ، ولو شاء أن يبدّله بدّله ، ولو شاء أن ينسخه كله بغيره نسخه ، وأنه نزله تنزيلا . وأنه فصّله تفصيلا ، وأنه باللّه كان دون غيره ، ولا يقدر
هامش
( 1 ) وجاء في شرح ابن أبي الحديد أيضا : « وكانت خطباء بنى أمية تأكل وتشرب على المنبر يوم الجمعة ، لإطالتهم في الخطبة ، وكان المسلمون تحت منبر الخطبة يأكلون ويشربون » .
( 2 ) في الأصل « حسن » وهو تحريف ، وقد قدمنا لك أن عبد الملك بعثه في جيش إلى المدينة ، فلما دخلها جلس على منبر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فدعا بخبز ولحم فأكل ، ثم دعا بماء فتوضأ على المنبر - انظر العقد الفريد 2 : 263 .
( 3 ) هو طارق بن عمرو ، مولى عثمان ، ولاه عبد الملك المدينة سنة 73 ه ، فوليها خمسة أشهر ، ثم عزله عنها واستعمل عليها الحجاج سنة 74 ه - انظر تاريخ الطبري 7 : 205 ، 206 .
( 5 - جمهرة رسائل العرب - رابع )