تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 362

مساهمون:

ص٣٦٢
رضى اجتهاده في شكرها ، ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وكان سعيه مشكورا إنه حميد مجيد . وما كنت أحبّ أن أباهيك بشئ من أمر الدنيا ، ولا أتجاوز الاستيفاء لما وهبه اللّه لنا من شرف الدين الذي كرّمه وأظهره ، ووعدنا في عواقبه الغلبة الظاهرة ، والقدرة القاهرة ، ثم الفوز الأكبر يوم الدين ، لكنك سلكت مسلكا لم يحسن أن نعدل عنه ، وقلت قولا لم يسعنا التقصير في جوابه ، ومع هذا فإنا لم نقصد بما وصفناه من أمرنا مكاثرتك ، ولا اعتمدنا تعيين فضل لنا نعوذ به ، إذ نحن نكرم عن ذلك ، ونرى أن نكرمك عند محلك ومنزلتك ، وما يتصل بها من حسن سياستك ومذهبك في الخير ومحبتك لأهله ، وإحسانك لمن في يدك من أسرى المسلمين ، وعطفك عليهم ، وتجاوزك في الإحسان إليهم جميع من تقدّمك من سلفك ، ومن كان محمودا في أمره رغب في محبته ، لأن الخيّر أهل أن يحبّ حيث كان ، فإن كنت إنما تؤهّل لمكاتبتك ومماثلتك ، من اتسعت مملكته ، وعظمت دولته ، وحسنت سيرته ، فهذه ممالك عظيمة ، واسعة جمّة ، وهي أجلّ الممالك التي ينتفع بها الأنام ، وسرّ الأرض المخصوصة بالشرف ، فإن اللّه قد جمع لنا الشرف كله ، والولاء الذي جعل لنا من مولانا أمير المؤمنين - أطال اللّه بقاءه - مخصوصين بذلك ، إلى مالنا بقديمنا وحديثنا وموقعنا ، والحمد للّه رب العالمين الذي جمع لنا ذلك بمنّه وإحسانه ، ومنه نرجو حسن السعي فيما يرضيه بلطفه ، ولم ينطو عنك أمرنا فيما اعتمدناه . وإن كنت تجرى في المكاتبة على رسم من تقدّمك ، فإنك لو رجعت إلى ديوان بلدك ، وجدت من كان تقدّمك قد كاتب من قبلنا من لم يحلّ محلّنا ، ولا أغنى غناءنا « 1 » ولا ساس في الأمور سياستنا ، ولا قلّده مولانا أمير المؤمنين - أطال اللّه بقاءه - ما قلّدنا ، ولا فوّض إليه ما فوّض إلينا ، وقد كوتب أبو الجيش خمارويه
هامش
( 1 ) أغنى غناءه : كفى كفايته .