أعظم اللّه قدرها « 1 » ، وأجلّ خطرها ، وفسح في مدّتها ، وأطال الانتفاع بها ، حتى إذا حداها « 2 » طول الثّواء بأهلها ، وتقادم الإلف بينهما ، فجرى مجرى أخلق الأشياء بالدوام ، إن « 3 » كان الدوام في شئ مأمولا - وأبعدها من النّفاد - إن « 4 » كان النفاد على شئ مأمونا - فكانوا لذلك من حالها [ في غرّة « 5 » ] عنها ، وإغفال لموقعها ، أمضى « 6 » اللّه أمره الذي هو فناء كلّ ما دونه وهلاك كل شئ إلا وجهه ، فكان ذلك قضاءه القضاء الفصل ، وحكمه الحكم الذي ليس له مردّ ، ثم نبّه به على فقد ما منح منه ، حتى عاد مشكورا ، وعلى ما يجب به التسليم ، حتى عاد مطاعا .
وإن أميرنا وسيدنا وموئل نعمتنا ، ومبتدى أسلافنا ، وكافل أعقابنا ، وعامر مجدنا ، وباني مكارمنا ، بالبرّ الذي هو كان المعتدّ له ، ثم بالأدب الذي رفع مناره وأعلامه ، وأثمن « 7 » به لأهله ، وأقام له سوقه ، فلم يقرّب إلا عليه ، ولم يحظ إلا من ناحيته ، فالنمسه الناس حين التمسوه من جهتيه اللتين : إحداهما الرغبة فيه لفضله ، والأخرى طلب المتحيّر لمعرفته أبا محمد ، رضى اللّه عنه كلّ الرضا ، ورحمة اللّه كلّ الرحمة عليه ، كان ذلك النعمة التي دامت أحسن دوام ، وتلك العاريّة التي ثوت أطول الثّواء ، فما أحقّك - بموضعك من ولادته - وأحقّنا - بموقعنا من جميل بلائه - أن نكون على ما وفّاه من أمره شاكرين ، وعنه تبارك وتعالى راضين ، وأن نقول قول المحسنين المجملين المسلمين « إنّا للّه وإنّا إليه راجعون » وأنا أسأل اللّه أن يصلى على محمد وعلى آل محمد ويسلم تسليما ، وأن يحسن لنا ولك العزاء ، ويوفّر علينا وعليك
هامش
( 1 ) في الأصل « فقدها » .
( 2 ) من حدا الليل النهار أي تبعه ، وحدا الإبل أي ساقها ، والمعنى : صحبها ولازمها ، والثواء :
الإقامة ، وفي الأصل « حتى إذا حراهما طول الثواء أهلهما » وهو تحريف .
( 3 ) في الأصل « وإن » .
( 4 ) في الأصل « وإن أيضا » .
( 5 ) في الأصل « لعرمرمهم » وقد أصلحته كما ترى .
( 6 ) جواب إذا .
( 7 ) في الأصل « وأثمر » وأرى أن صوابه « وأثمن » يقال : أثمنه سلعته وأثمن له . أعطاه ثمنها .
والمعنى : أجاز أهل الأدب وحباهم ، ويؤيد هذا التصويب ، قوله بعد « وأقام له سوقه » وربما كان « وآثر به أهله » .