تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 212

مساهمون:

ص٢١٢
كنت قد أوتيت فصل الخطاب ، واستوجبت من اللّه سبحانه جزيل الثواب « 1 » . وقال الخليل بن أحمد : كلّ ما أدّى إلى قضاء الحاجة فهو بلاغة ، فإن استطعت أن يكون لفظك لمعناك طبقا ، ولتلك الحال وفقا ، وآخر كلامك لأوّله مشابها ، وموارده لمصادره موازنا فافعل ، واحرص أن تكون لكلامك متّهما ، وإن ظرف ولنظامك مستريبا وإن لطف . بمواتاة « 2 » آلتك لك ، وتصرّف إرادتك معك ، فافعل إن شاء اللّه . وهذه الرسالة عذراء ، لأنها بكر معان لم تفترعها بلاغة الناطقين ، ولا لمستها أكفّ المفوّهين ، ولا غاصت عليها فطن المتكلمين ، ولا سبق إلى ألفاظها أذهان الناطقين ، فاجعلها مثالا بين عينيك ، ومصوّرة بين يديك ، ومسامرة لك في ليلك ونهارك ، تهطل عليك شآبيب منافعها ، ويظلّك منها بركاتها ، وتوردك مناهل بلاغاتها ، وتدلك على مهيع « 3 » رشدها ، وتصدرك وقد نقع « 4 » ظمؤك بينابيع بحر إحسانها إن شاء اللّه عز وجل ، والحمد للّه وحده ، وصلى اللّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم « 5 » » . ( رسائل البلغاء ص 176 ، والعقد الفريد 2 : 171 )
هامش
( 1 ) وجاء في زهر الآداب عقب ذلك : « فقيل لعبد الكريم بن روح الغفاري : من هذا الذي صبر له عمرو هذا الصبر ؟ قال : سألت عن ذلك أبا حفص الشمرى فقال : ومن يجترىء عليه هذه الجراءة إلا حفص بن سالم ؟ » أقول : وحفص هذا هو أحد دعاء المعتزلة الذين أنفذهم وأصل بن عطاء إلى الآفاق ، وبثهم في البلاد ، لنشر مذهب الاعتزال ، وقد بعثه واصل إلى خراسان - انظر المنية والأمل ص 19 » والبيان والتبيين 1 : 14 . ( 2 ) المواتاة : الموافقة والمطاوعة . ( 3 ) طريق مهيع : أي بين . ( 4 ) نقع الماء العطش كقطع : سكنه ، وفي المثل « الرشف أنقع » أي إن الشراب الذي يترشف قليلا قليلا أقطع للعطش وأنجع ، وإن كان فيه بطء ، مثل يضرب في ترك العجلة . ( 5 ) ذكر الأستاذ كرد على في رسائل البلغاء أنه نقل هذه الرسالة من مجموع قديم من كتب الشيخ طاهر الجزائري ، وقد أورد صاحب العقد الفريد نحوا من شطرها في باب أدوات الكتابة ، وأخبار الكتاب ، غير أنه لم يوردها على النمط الذي ورد في رسائل البلغاء ، بل تصرف فيها كثيرا بالحذف والزيادة والتقديم والتأخير ، وتراه يلقب إبراهيم بن محمد بن المدبر كاتبها بالشيبانى ، فيقول : قال إبراهيم بن محمد الشيباني . . . . وآورد القلقشندي في صبح الأعشى . فقرأ منها - انظر ج 2 : ص 457 وج 3 . ص 6 ، وكذا النويري في نهاية الأرب - انظر ج 7 ص : 12 ، 13 ، 19 وكلاهما يلقبه بالشيبانى أيضا ، والظاهر أنه ينتمى إلى شيبان بالولاء .