تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 204

مساهمون:

ص٢٠٤
على حسن وجه المعنى ، وقد رأيتهم شبهوا المعنى الخفىّ بالرّوح الخفي ، واللفظ الظاهر بالجثمان الظاهر ، وإذا لم ينهض بالمعنى الشريف لفظ شريف جزل ، لم تكن العبارة واضحة ، ولا النظام متّسقا ، وتضاءل المعنى الحسن تحت اللفظ القبيح ، كتضاؤل الحسناء في الأطمار « 1 » الرّثّة . وإنما يدل على المعنى أربعة أصناف : لفظ ، وإشارة ، وعقد وخطّ ، وقد ذكر أرسطاطاليس صنفا خامسا في كتاب المنطق ، وهو الذي يسمى النّصبة ، والنّصبة : الحال الدّالة التي تقوم مقام تلك الأصناف الأربعة ، وهي الناطقة بغير لفظ ، والمشيرة إليه بغيريد ، وذلك ظاهر في خلق السماوات والأرض ، وفي كل صامت وناطق ، وهي داخلة في جملة هذه المعاني الأربعة ، وخارجة منها بالحلية ، ولكل واحدة من هذه الدلائل صورة مخالفة لصورة صاحبتها ، وحلية غير مشاكلة لحلية أختها ، غير أنها في الجملة كاشفة عن أعيان المعاني ، وسافرة « 2 » عن وجوهها « 3 » . وأوضح هذه الدلائل ، وأفصح هذه الأصناف ، صنفان منها ، وهما اللسان والقلم ، وكلاهما يترجمان ويدلان على القلب ، ويستمليان منه ، ويؤديان عنه ما لا تؤدى هذه الأصناف الباقية ، فأما اللسان فهو الآلة التي يخرج الإنسان بها عن حد الاستبهام إلى حد الإنسانية بالكلام ، ولذلك قال صاحب المنطق : حدّ الإنسان : الحي الناطق . وقال هشام ابن عبد الملك « إن اللّه رفع درجة اللسان فأنطقه من بين الجوارح بتوحيده ، وما جعل اللّه من عبّر عن شئ مثل من لم يعبّر عنه » . وقال علي بن عبدة : « إنما يبين عن الإنسان اللسان ، وعن المودّة العينان » . وقال آخر : « الرجل مخبوء تحت لسانه « 4 » » . وقالوا « المرء بأصغريه : قلبه ولسانه » .
هامش
( 1 ) الأطمار : جمع طمر بالكسر ، وهو الثوب الخلق . ( 2 ) أي كاشفة أيضا . ( 3 ) وقد عقد الجاحظ فصلا طويلا في الكلام على أصناف الدلالات على المعاني - انظر باب البيان من كتابه البيان والتبيين ج 1 : ص 42 . ( 4 ) من الحكم المروية عن الإمام على كرم اللّه وجهه « المرء مخبوء تحت لسانه » .