تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 69

مساهمون:

ص٦٩
فأمّا ما ذكرت من إبطاء الدهر عنك بالتقوية على مساعدتى ، فكأنك عنيت بهذه الكلمة [ أنّ صداقتك لي من ذات « 1 » ] الأيدي ، فإن كنت عنيت ، فما أشنع ما ألزمتنى ونفسك من قبيح الخلق ، وقد يردّ عنى فورة الغضب أنك لم تقل ذلك قاصدا ، واستدللت على أنك لم تقصد له ، بأنك بنفسك بدأت بالإفحاش ، وسأصغّر لك ما صغر اللّه من ذات الأيدي التي تقطّع إليها أعناق السّخفاء ، وأعظّم لك منزلة المودة بتدبير العقل ، بما عظّم اللّه منها ؛ ألا ترى رحمك اللّه أن العقل يكسب المال ، وأن المال معجوز به عن مكسبة العقل ، حسبي وحسبك ممن لم تكن له أخا أن تجعله أخا ، وحسبنا ممن كان بعيدا أن نجعله قريبا ، وحسبنا من المخالفين أن يكونوا موافقين . فأمّا ما تملك الأيدي ، فإني لا أدرى : أما خدعت العدوّ عنه أكثر ، أم ما تناولته بغير المؤامرة « 2 » من مال الصديق ؟ فإن بلغت حدّ المؤامرة ، فذلك وصم « 3 » في صداقة المأخوذ منه ، أو عجز من الآخذ من صديقه ؛ قد مضى لك إخوان لم تلحقهم ، وآخرون كثير أنت بين أظهرهم لم تعرفهم ، كان الرجل منهم يكره أن يعد إخوانه الوفاء ، فيضرّ اختلاط المواعيد بصادق النية المكسوب عليها ، مع ما في المواعيد من التغرير بالعجز عنها ، وما في الزمان من الخيانة لأهله ، وما في الاختلاط « 4 » من الضعف . أما إني قد كنت أرى مكان الموافقة في الجواب ، فأتعجّل حاضر سرورك بذلك ، وتجرى بيننا وبينك الخديعة والرياء ، فتركب ( سبيل ) السّفلة الذين أغلب الأشياء عليهم الملق ، ولكن حرّكتنى المودة بالتأديب لبعض تلك المحرّكات فيما مضى حين عاودتنى المكاتبة بالمناسمة « 5 » ، وإني قد علمت أنّ كل ذي عقل ذو حاجة ، وأن
هامش
( 1 ) ما بين القوسين بياض بالأصل » وقد زدته لتستقيم العبارة . ( 2 ) المؤامرة : المشاورة . ( 3 ) عيب وعار . ( 4 ) في الأصل « وما . . . . لاختلاط » . ( 5 ) ناسمته : شاممته ، وجدت ريحه ووجد ريحى ، والمعنى بتنسم أخبارك .