تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 64

مساهمون:

ص٦٤
على الكرم ، والنّجدة ، والصدق ، والحياء ، والنجابة ، والزّكانة « 1 » ، وسائر ما لا يأتي عليه العدد من المحامد ، ثم انحدرنا فيما أصعدنا فيه من هذا النّسب ، فعدنا إلى الإخاء فوجدناه لا يقوم به إلا من هذه الخصال كلّها أخلاقه ، ولمّا استوجب الإخاء مسالك المحمدة كلها ، رأينا أن نتخيّر له المواضع في صواب التوزير ، وإحكام التقدير ، وعلمنا أن الاحتباس به ، أحسن من الندم بعد بذله ، واستوجب - إذ كان جماع المحامد - أن نتخيّر له محامله التي كان يحمل عليها ، فكان الناس فيما احتبسنا به عنهم من الإخاء ، على صنفين : فصنف عذرونا بالتحبّس للتخير ، إذ كان التخيّر من شأنهم ، وصنف هم ذوو سرعة إلى الإخاء وسرعة في الانتهاء ، فقدّموا اللائمة « 2 » ، واستعجلوا بالمودّة ، وتركوا باب التّروية ، واستحلوا عاجل المحبة ، ولهوا عن آجل الثقة ، فكانوا بذلك أهل لائمة ، ولم يجد المعذرون « 3 » إلا الصبر على تلك ، والاستعمال للرأي ، والاستعداد بالعذر عند المحاجّة . وقد فهمت كتابك إلىّ بالمودة ، واستحثاثك إياي في الأخوة ، وما دنوت به من حرمة المحبة ، فنازعت « 4 » إليك نفسي بمثل الذي نازعت به إلىّ نفسك ، فواثبتنى عادة الاستعمال للتروية في الخبرة ، والتخيّر للمغبّة ، فجلت عن كتابك جولة غير نافرة ، ثم راجعت مقاربتك ، فقلت : ألقى إلىّ أسباب المودة قبل كشف العطاء بالخبرة فخشيت أن تعذر نفسك بالتقدم ، وتحدث الزهادة للتعسّف بالجهالة عند الخبرة ، فجلت عن هذا جولة كالجولة الأولى ، ثم عاودت إسعافك ، وطاعة التشوق ، ومعصية التخيّر ثم قلت ما حال من جعل الظنّ دون اليقين ، والتقدم قبل الوثيقة ؟ فلما كان الرأي لي خصما ، تنكّبت الوقوع في خلافه ، فلم أجد إلا الإدبار عن إقبالك سبيلا ، ولا مع
هامش
( 1 ) الزكانة : الفطنة والحدس الصادق . ( 2 ) اللائمة : اللوم . ( 3 ) المعذر : من كان له عذر . ( 4 ) أي اشتاقت .