تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 62

مساهمون:

ص٦٢
لهم من الثناء الحسن في الناس لسان صدق يشيد بفضلهم ، ويخبر عن صحة ودّهم ، وثقة مؤاخاتهم ، فيتخيّر إليهم رغبة الإخوان ، ويصطفى لهم سلامة صدورهم ، ويجتبى لهم ثمرة قلوبهم ، فلا مثنى أفضل تقريظا ، ولا مخبر أصدق أحدوثة منه ، وقد لزمت « 1 » من الوفاء والكرم فيما بينك وبين الناس طريقة محمودة ، نسبت إلى مزيتها في الفضل ، وجمل بها ثناؤك في الذّكر ، وشهد لك بها لسان الصّدق ، فعرفت بمناقبها ، ووسمت بمحاسنها ، فأسرع إليك الإخوان برغبتهم مستبقين ، يبتدرون « 2 » ودّك ، ويصلون حبلك ، ابتدار أهل التنافس في حظّ رغيب ، ونصبت لهم غاية يجرى إليها الطالبون ، ويفوز بها السابقون ، فمن أثبت اللّه عندك بموضع الحرز والثقة ، وملأ بك يده من أخي وفاء ووصلة ، واستنام منك إلى شعب « 3 » مأمون ، وعهد محفوظ ، وصار مغمورا بفضلك عليه في الودّ يتعاطى من مكافأتك ما لا يستطيع ، ويطلب من أثرك في ذلك غاية بلوغها شديد ، فلو كنت لا تؤاخى من الإخوان إلّا من كافأ بودّك ، وبلغ من الغايات حدّك ، ما آخيت أحدا ، ولصرت من الإخوان صفرا ، ولكن إخوانك يقرّون لك بالفضل ، وتقبل أنت ميسورهم من الودّ ، ولا تجشّمهم كلف مكافأتك ، ولا بلوغ فصلك فيما بينك وبينهم ، فإنما مثلك في ذلك ومثلهم كما قال الأول :
ومن ينازع سعيد الخير في حسب * ينزع طليحا ويقصر قيده الصّعد « 4 »
ولم أرد بهذا الثناء عليك تزكيتك ، ليكون ذلك قربة عندك ، وآخيّة « 5 » لي لديك ، ولكن تحرّيت فيما وصفت من ذلك الحقّ والصدق ، وتنكّبت « 6 » الإثم
هامش
( 1 ) وجاء في العقد الفريد ( 2 : 196 ) : « فصل لمحمد بن الجهم : إنك لزمت من الوفاء طريقة محمودة ، عرفت بمناقبها ، وشهرت بمحاسنها ، فتنافس الإخوان فيك يبتدرون ودك ، ويتمسكون بحبلك ، فمن أثبت اللّه له عندك ودا ، فقد وضع خلته موضع حرزها » - والخلة بالضم : الصداقة - وفي الأصل « حلته » وهو تصحيف . ( 2 ) أي يتسابقون إليه . ( 3 ) استنام إليه : سكن واطمأن ، والشعب : الطريق في الجبل . ( 4 ) طلح البعير كمنع : إذا أعيا وكل وسقط من السفر ، فهو طليح ، والصعد : المشقة . ( 5 ) الآخية بالتشديد والتخفيف : مثل عروة تشد إليها الدابة ، ومعناها هنا وصلة وقربة . ( 6 ) تنكب : عدل وتجافى .