تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 63

مساهمون:

ص٦٣
والباطل ، فإن القليل من الصدق البرىء من الكذب ، أفضل من كثير الصدق المشوب بالباطل ، ولقد وصفت من مناقبك ، ومحاسن أمورك ، وإني لأخاف الفتنة عليك حين تسمع بتزكية نفسك ، وذكرى ما ذكرت من فضلك ، لأن المدح مفسدة للقلب ، مبعثة للعجب ، ثم رجوت لك المنعة والعصمة ، لأنى لم أذكر إلا حقّا ، والحقّ ينفى عن اللبيب العجب ، وخيلاء الكبر ، ويحمله على الاقتصاد والتواضع ، وقد رأيت - إذ كنت في الفضل والوفاء على ما وصفت منك - أن آخذ بنصيبى من ودّك ، وأصل وثيقة حبلى بحبلك ، فيجرى بيننا من الإخاء أواصر « 1 » الأسباب التي بها يستحكم الودّ ، ويدوم العهد ، وعلمت أن تركى ذلك غبن ، وإضاعتى إياه جهل ، لأن التارك للحظّ داخل في الغبن ، والعائد عن الرشد موجف « 2 » إلى الغىّ ، فارغب من ودّى فيما رغبت فيه من ودّك ، فإني لم أدع شينا أستتلى به منك الرغبة ، وأجترّ به منك المودة ، إلا وقد اقتدت إليك ذريعته ، وأعملت نحوك مطيّته ، لترى حرصي على مودتك ، ورغبتي في مؤاخاتك ، والسلام » . ( اختيار المنظوم والمنثور 13 : 401 )

47 - رد يحيى بن زياد على ابن المقفع

فكتب إليه يحيى بن زياد : « أما بعد ، فإنا لمّا رأينا موضع الإخاء ممن يحتمله في تأنيسه من الوحشة ، وتقريبه لذي البعدة « 3 » ، ومشاركته بين ذوى الأرحام في القربة ، لم نرض بمعرفة عينه دون معرفة نسبته ، فنسبنا الإخاء فوجدناه في نسبته لا يستحقّ اسم الإخاء إلا بالوفاء ، فلما انتقلنا عنه إلى الوفاء فنسبناه ، انتسب لنا إلى الصبر ، فوجدناه محتويا
هامش
( 1 ) أواصر جمع آصرة : وهي حبل صغير يشد به أسفل الخباء . ( 2 ) أي مسرع . ( 3 ) ذو البعدة : الذي يبعد في المعاداة ، ويقال أيضا إنه لذو بعد وبعدة بالضم فيهما : أي لذ ورأى وحزم ، يقال ذلك للرجل إذا كان نافذ الرأي ذا غور وذا بعد رأى .