تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 455

مساهمون:

ص٤٥٥
يوفّقه لعزيمة الرّشد وصريمته « 1 » ، والإقساط فيما ولّاه اللّه من رعيته برحمته ومنّته . وقد عرف أمير المؤمنين أن الجمهور الأعظم ، والسّواد « 2 » الأكبر ، من حشو الرّعية ، وسفلة العامّة ، ممن لا نظر له ولا رويّة ، ولا استدلال له بدلالة اللّه وهدايته ، ولا استضاءة بنور العلم وبرهانه في جميع الأقطار والآفاق ، أهل جهالة باللّه ، وعمى عنه ، وضلالة عن حقيقة دينه وتوحيده والإيمان به ، ونكوب « 3 » عن واضحات أعلامه ، وواجب سبيله ، وقصور أن يقدروا اللّه حقّ قدره ، ويعرفوه كنه معرفته ، ويفرّقوا بينه وبين خلقه ، لضعف آرائهم ، ونقص عقولهم ، وجفائهم عن التفكّر والتذكّر ، وذلك أنهم ساووا بين اللّه تبارك وتعالى وبين ما أنزل من القرآن ، فأطبقوا « 4 » مجتمعين ، واتفقوا غير متعاجمين ، على أنه قديم أوّل ، لم يخلقه اللّه ويحدثه ويخترعه ، وقد قال اللّه عزّ وجل في محكم كتابه الذي جعله لما في الصدور شفاء ، وللمؤمنين رحمة وهدى :
« إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا »
فكلّ ما جعله اللّه فقد خلقه ، وقال :
« الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ، وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ » ،
وقال عز وجل :
« كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ ،
فأخبر أنه قصص لأمور أحدثه بعدها ، وتلا به متقدّمها ، وقال :
« الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ، ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ »
وكل محكم مفصّل فله محكم مفصّل ، واللّه محكم كتابه ومفصّله ، فهو خالقه ومبتدعه . ثم هم الذين جادلوا بالباطل ، فدعوا إلى قولهم ، ونسبوا أنفسهم إلى السّنّة ، وفي كل فصل من كتاب اللّه قصص من تلاوته ، مبطل قولهم ، ومكذّب دعواهم ، يردّ عليهم قولهم ونحلتهم « 5 » ، ثم أظهروا مع ذلك أنهم أهل الحقّ والدين والجماعة ،
هامش
( 1 ) الصريمة : العزيمة وقطع الأمر . والإقساط : العدل . ( 2 ) السواد : العدد الكثير وعامة الناس . ( 3 ) أي عدول . ( 4 ) أطبق القوم على الأمر : أجمعوا . ( 5 ) النحلة : الدعوى .