أوليائي الذين كنت وكّلتهم بما بين مشرعة باب خراسان وركن الصّراة ، فأخذوه عنوة « 1 » قهرا بلا عهد ولا عقد ، فدعا بشعاره وعاد في نكثه ، فعرض عليهم مائة حبّة ، ذكر أن قيمة كل حبة مائة ألف درهم ، فأبوا إلا الوفاء لخليفتهم أبقاه اللّه ، وصيانة لدينهم ، وإيثارا للحق الواجب عليهم ، فتعلّقوا به ، قد أسلمه « 2 » اللّه وأفرده ، كلّ يرغبه ويريد أن يفوز بالحظوة عندي دون صاحبه ، حتى اضطربوا فيما بينهم ، وتناولوه بأسيافهم ، منازعة فيه ، وتشاحّا « 3 » عليه ، إلى أن أتيح له مغيظ للّه ودينه ورسوله وخليفته ، فأتى عليه ، وأتاني الخبر بذلك ، فأمرت بحمل رأسه إلىّ ، فلما أتيت به تقدّمت إلى من كنت وكّلت بالمدينة والخلد وما حواليها وسائر من في المسالح ، في لزوم مواضعهم والاحتفاظ بما يليهم إلى أن يأتيهم أمرى ، ثم انصرفت ، فأعظم اللّه لأمير المؤمنين الصّنع والفتح عليه ، وعلى الإسلام به وفيه .
فلمّا أصبحت هاج الناس واختلفوا في المخلوع : فمصدّق بقتله ومكذّب ، وشاكّ وموقن ، فرأيت أن أطرح عنهم الشّبهة في أمره ، قمضيت برأسه لينظروا إليه ، فيصحّ بعينهم ، وينقطع بذلك بعل « 4 » قلوبهم ، ودخل « 5 » التياث المستشرفين للفساد ، والمستوفزين للفتنة ، وغدوت نحو المدينة فاستسلم من فيها ، وأعطى أهلها الطاعة ، واستقام لأمير المؤمنين شرقىّ ما يلي مدينة السلام وغربيّه وأرباعه « 6 » وأرباضه ونواحيه ، وقد وضعت الحرب أوزارها ، وتلافى بالسلام والإسلام أهله ، وبعّد اللّه
هامش
( 1 ) أي قهرا .
( 2 ) أي خذله .
( 3 ) تشاحا على الأمر : لا يربدان أن يفوتهما .
( 4 ) بعل بأمره كفرح : دهش رفرق وبرم فلم يدر ما يصنع .
( 5 ) الدخل : ما داخل المرء من فساد في عقل أو جسم ، والالتياث : الاختلاط والالتفاف ، واستشرف الشئ : رفع بصره إليه وبسط كفه فوق حاجبه كالمستظل من الشمس ، واستوفز ، تحفر وتهيأ للوثوب .
( 6 ) كانت المدينة قديما تقسم أرباعا ( ولا يزال ذلك التقسيم إلى اليوم في بعض بلاد القطر المصري ، وقد كانت مدينة القاهرة قبل اليوم مقسمة ثمانية أقسام ، كل قسم ثمن وحرفته العامة فقالوا تمن ) والأرباض جمع ربض بالتحريك ، وربض المدينة : ما حولها ، والأوزار : الأثقال ، جمع وزر بالكسر .