تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 261

مساهمون:

ص٢٦١
متباينان ، أم إله كان به متصلا ، وكانا جميعا واحدا ؟ فكيف إذن يجوز له أن يقول أذهب إليه » ؟ إلا أن يقولوا : إنّ بعضه ذهب إلى بعض ! وهذا مما لا يجوز عندهم في صفة الربّ عزّ وجل . وسل من قبلك : أخرج المسيح من بطن أمه مريم بكماله ، حتى كان البطن منه فارغا ، وكان هو منه بكماله خارجا ؟ فإن قالوا : نعم ، فقد انكسر قولهم : إن اللّه بكل مكان ، وإن قالوا : لم يخرج المسيح ، ولم يخل البطن ، فقد كذبوا إذن في قولهم : إنه قد خرج ، وأقرّوا أنه قد ولد ، فتعالى اللّه عما يصفون ، وتنزّه عما يشركون . وسلهم : لم هبط عيسى إلى بطن مريم ، وتجسّد باللحم والدم ؟ فإن قالوا : ليمحق الخطايا من الأرض ، ويربط الشيطان عن الخلق ، فقل : كيف إذن لم يربطه عن نفسه ؟ وكيف جلاباه « 1 » من اليهود بصلبه ؟ ولم سلّط على أهل دينه يتّبعون في كل شعب « 2 » ، ويقتلون بكل واد ؟ وقل للذين يقولون : إن الخالق في كل مكان من السماء والأرض وغير ذلك : أيّهما أعظم : المحيط المشتمل أم المحاط المشتمل عليه كما يقولون ؟ تعالى اللّه عما يشركون ؟ فإن قالوا : إنما التحم بعضه دون بعض ، فقد حدّوا وبعّضوا ونقصوا ، وإمّا قالوا ، فلن يجدوا بدّا من أن يقولوا : إن بعض المسيح الذي جعلوه ربّهم ، وهو إله عندهم ، ميت بعضه جيفة ، وإن بعضه حىّ طيب ، لأنهم زعموا أنه التحم بجسد حي فيه روح ، فلا بدّ إذن أن يدخل عليه ما يدخل على الأجسام الحيّة من الخوف والفزع والفرح والعطش وأشباه ذلك ، وهو عندهم كفر عظيم ، وإفك مبين ، فاتّق عقوبة اللّه ربّك ولا تمش مكبّا على وجهك ، ولكن اطلب والتمس وابحث ، فقد قال عيسى عليه السلام في الإنجيل : « من سأل أعطى ، ومن طلب وجد ، ومن استفتح فتح له » « 3 » .
هامش
( 1 ) كذا بالأصل . ( 2 ) الشعب : الطريق في الجبل . ( 3 ) ورد في إنجيل متى ( الإصحاح 5 آية 42 ) من الكتاب المقدس : « من سألك فأعطه ، ومن أراد أن يقترض منك فلا ترده » وورد في إنجيل لوقا ( الإصحاح 11 آية 10 من الكتاب المقدس ) « من يسأل يأخذ ، ومن يطلب يجد ، ومن يقرع يفتح له » .
جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 261 | أحمد زكي صفوت