تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 252

مساهمون:

ص٢٥٢
بخير يأتمرون به ، ولا بشرّ ينتهون عنه ، كلا ! ما ترك اللّه على هذا خلقه ، ولا بهذا وصف تبارك وتعالى نفسه ، إنه لأرحم الراحمين ، وأحكم الحاكمين . ولئن رجعت إلى قلبك ، لتقولنّ في نفسك : لعمر اللّه لو كان هذا الأمر الذي طلع طلوع الشمس ، وامتدّ امتداد النهار ، فبلغ مشارق الأرض ومغاربها ، وسهول الآفاق وحزونها « 1 » ، حقا وصدقا وعدلا ، لبشّرت الكتب به ، وتنبّأت الرسل عليه ، ودعت النّذر إليه ، تزبينا له ، وترغيبا فيه ، وأمرا به ، ولو كان ضلالة وجهالة وعماية ، لتقدّموا في التحذير منه ، والتزهيد فيه ، والتّثبيط عنه ، فيدعو ذلك إلى أن ينظروا في كتب الأنبياء ، وأقاويل الرسل ، فأيم اللّه لئن طلبت لتجدنّ ، ولئن اجتهدت لتوفّقنّ ، وما الصواب بممنوع ، ولا الخير بمحظور ، ولقد كانت العلماء بالكتب والبصراء بالتأويل تجده ، ولكنها كانت تكتمه بتحريف كلام الكتب عن مواضعه ، وصرف تأويل الحكم إلى أشباهه ، حسدا من عند أنفسهم ، وبغيا بعد ما تبيّن لهم ، ثم لقد اقتديتم بهم ، وجريتم معهم ، وأخذتم عنهم ، بلا حجة لكم ولا قوة معكم ، إلا الاقتداء بالآباء ، والاتّباع للآثار ، فاتّق اللّه في نفسك ، واتّهم الرجال على دينك ، ولا تجعل النظر إلى غيرك من ذوى الشك في القلوب ، والفسخ في . . . « 2 » والتّهم في التعطيل ، الذين لعلّهم يعرض لآرائهم ، ويقع في أوهامهم أن يقولوا : فلعل ما يتلو عليكم أمير المؤمنين من آيات القرآن ، ويقرع لكم من حجج الوحي ، شئ زيد في المصاحف بعد النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وهذا ما لا يحتمله عقل صحيح ، ولا نظر قوىّ ، وذاك الشاكّ في شهادات الرجال - متفقة من بلدان وأمصار مختلفة ، وشعوب وقبائل متفرّقة ، ليس يدعوهم إلى ما شهدوا دين ، ولا يحملهم على ما اتفقوا عليه دنيا - لا يستقيم له أن يؤمن « 3 » بما لم تدركه جوارحه ، وتحيط به
هامش
( 1 ) الحزون : جمع حزن بالفتح ، وهو : ما غلظ من الأرض . ( 2 ) هكذا في الأصل . ( 3 ) في الأصل « أن يؤمن له » بزيادة له بعد يؤمن ، ولا حاجة إليها بل هي قلقة في الجملة .