تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 250

مساهمون:

ص٢٥٠
توسّعت الأمور عليك ، وضاقت المقالة ، لك أن تقول : إن اللّه لا يبعث نبيا بعد محمد صلى اللّه عليه وسلم ، ولا وحيا ينزل غير القرآن ، فأبطلت الكتب المحدثة ، وأكذبت الوثيقة ، ولم تترك وحيا غير القرآن ، ولم يجز للنصارى أن تقول : لا نبىّ بعد عيسى عليه السلام ، ولا كتاب خلف الإنجيل ، وعن ذلك من أخبار الكتب ما قلنا : كل متنبّئ بعد نبيّنا كذاب ، فشاعت وجازت الحجة ، ووضح العذر . وأما النصارى فيجدون في أواخر كتبهم ، وأقاويل رسلهم ، أن اللّه عز وجل يبعث نبيّا حديثا ، وينزل كتابا جديدا ، فليس لهم أن يكذّبوا نبينا صلى اللّه عليه وسلم ، ولا أن يردّوا كتابنا . فهؤلاء الثلاثة : أما الشاكّ فسقط ، وأما المنكر فبطل ، وأما المصدّق فثبت ثبوتا ليس فيه مدخل شبهة ، ولا موضع لحجّة ، ولا معلق لمنازعة ، وذلك أن المنكر لوجوب حقه ، والشاكّ في ثبوت صدقه ، لا يجد بدّا من أن ينحى الصدق عن الخلق ، ويخلى الدنيا من الحق ، وهذا قول المكذبين بربهم ، الشاكّين في بعثهم ، فأحسن النّظر في معانيه ، ينكشف لك هما فيه إن شاء اللّه . ومن أبين آياته وأدلّ علاماته صلى اللّه عليه وسلم ، ووسع له فيما صدر إليه ، أنه لما أخبرت النصارى واليهود أنهم لم يجدوا محمدا صلى اللّه عليه وسلم في التوراة والإنجيل موصوفا مكتوبا ، تجمّعت العلماء منهم ، وتدارست الكتب فيما بينهم ، فلما نظروا إلى اسمه ، وعاينوه بنعته ، وكانوا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ، ويستفتحون بذكره على من سواهم ، كفرت طائفة حسدا من عند أنفسها ، وجحدا من بعد ما تبيّن لها ، وآمنت طائفة ، تصديقا بكتابها ، وخوفا من ربها . فلعمر اللّه لولا أن الذين آمنوا بحقه ، وصدّقوا بأمره ، رأوا صفته عيانا ، وقبلوا نعته إيقانا ، لما فارقوا أديانهم ، ولا جادلوا إخوانهم ، حتى وقفوهم على اسمه ونسبه ، وصفته وعلامته ، وهم علماء بني إسرائيل ، وحملة الإنجيل : من أهل الكتاب الذين
جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 250 | أحمد زكي صفوت