تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 249

مساهمون:

ص٢٤٩
وأقررت عليها بالخطأ ، لقولك : لا بدّ أن يكون الحق في التصديق أو التكذيب ، ولست على واحد منهما ، اعتزل عنها . وأما المكذّب فلمّا قيل له : أنت منكر ، والمنكر ليس بمدّع ، ومن لم يدّع لم يلزمه بينة ، ولا يسأل عن حجة ، اتبع صاحبه وأيم اللّه على ذلك ، لو سئل هذا المدعى عن بينته ، وكشف حجته ، فقيل له : من أين عرف قلبك ، وأيقنت نفسك إيقانا لا يخالجه شكّ ، ومعرفة لا يشوبها ريب ، ولا ينازعها شبهة ، أن محمدا صلى اللّه عليه وسلم ليس برسول ؟ لما درى ما يقول ، لأنه لا يستطيع أن يتقوّل على الرسل ، ولا أن يتكذّب على الكتب ، فيقول : قد أخبر اللّه فيها أنه لا يبعث نبيا ، ولا ينزل وحيا في كتاب مسطور بعد التوراة والإنجيل والزّبور ، بل قد يجد أهل الكتاب في أقاويل رسلهم ، وأخابير كتبهم ، أن اللّه تبارك وتعالى ينزل كتابا جديدا أو كلاما حديثا ، بعد خراب بيت المقدس في آخر الزمان ، ولم ينزل بعد ذلك كتابا إلا القرآن . وأما الرجل المصدّق بمحمد صلى اللّه عليه وسلم فقيل له : أمّا أنت فقد ادّعيت ، والمدّعى يسأل عن الحجة ، وتقبل منه البينة ، فما بيّنتك ، ومن يشهد لك ؟ فقال : ألم تقولوا : إن الحق لا يخرج من بيننا ، ولا بدّ أن يكون مع بعضنا ؟ قالوا : بلى ! قال : فأية بينة أحقّ وأعدل ، وأي شهود أزكى وأفضل من شهادتكم بسقوط صاحبىّ ، وثبوت الحق من بعدهما في يدىّ ؟ قالوا : إن الأمر لكما تقول ، ولكن البينة أشفى للصدور ، فأقام بيّنة من الكتاب ، وشهودا من الوحي ، وآيات سوى ذلك عظاما ، وبيّنات عوامّ ، من كلام لا يقدر عليه الخلق ، وصدق لا يكون إلا من قبل الربّ ، شبيها بما أورده أمير المؤمنين عليكم ، وكتب به في صدر كتابه هذا إليكم ، مما قد تشهد له قلوب الأمم ، ويزكّيه فعال العرب . فلما أقام بيّنته ، وثبتت حجته ، ووجب حقه ، وقضى به له ، قيل له : وكيف