من آيات الكتب وبيّنات الرسل ! وإن ذهب بهذا عن أمره ، وباعده عن شبهه ، فتؤمن أنه من نطفة خلق ، ومن رحم خرج ، فإن جحد وأبى ألّا يؤمن بما لا يرى فقل :
أرأيت لو كنت سميعا أعمى ، أكنت تؤمن بشئ مما في الدنيا : من سماء أو هواء ، أو بحر أو سبع ، أو أرض أو جبل ، أو شبه ذلك ، مما لم يدركه العيان ، ولم يقبله إلا عن الناس ؟ فإن قال نعم ، فقل فهل لك إلا بالاجتماع الكفر بالرب ؟ وما لدائه دواء غير الصّلب ؟ فاتق اللّه إذ كنت إماما وقائدا لأهل ملكك ، لا تقدهم إلى النار ، فتحمل أوزارا مع وزرك . فإن من أبين آيات الوحي ، وأدلّ علامات النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه لا يبتدع في الدين أمرا من تلقاء نفسه ، ولا يتقدم في الأمور بين يدي ربه ، واللّه أظهر فيما أنزل من الكتاب أمورا كان يحسبها صلى اللّه عليه وسلم مستورة ، فقال تأديبا له ، وإخبارا لمن آمن من بعده :
« وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ »
وقال :
« عَبَسَ وَتَوَلَّى . أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى . وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى . أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى . أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى . فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى . وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى . وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى . وَهُوَ يَخْشى . فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى . كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ »
وقال تعالى :
« وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا . إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً »
وقال له حين صرف قلبه عن بيت المقدس إلى البلد الحرام ، حين سكنت القلوب إليها ، وأنست النفوس بها :
« وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ »
وكانت القبلة التي صرفه اللّه إليها وأمره بها عظيمة على المنافقين واقعة ، بخلاف الكافرين ، كبيرة « 1 » إلّا على الّذين هدى اللّه من المؤمنين ، فإنهم قالوا : إذا اختلفت القبلتان ، وافترقت الجهتان ، كانت الطاعة
هامش
( 1 ) في الأصل « كثيرة » وهو تصحيف .