تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 236

مساهمون:

ص٢٣٦
تعقّبوا من قوله ، وعرفوا من صدقه ، ولولا أنه أخبرهم ووعدهم أن يغلب كسرى وقيصر لهم ، فصدّقوا بقوله وآمنوا بوعده ، حتى قويت البصائر ، وصرمت « 1 » العزائم وقويت النّيات ، فنشطت النفوس ، وشجعت القلوب ، وحمّلت الأبدان ، لما وقع لهم طمع فيه ، ولا ذهب لهم وهل « 2 » إليه ، فكن من ذلك على يقين لا يخلجه « 3 » شك ، ومعرفة لا يخلطها ريب إن شاء اللّه . ومن ذلك : أنه إذا قال المسلمون : ما من فعال محمود ، ولا مقال معروف ، ولا خلق كريم ، ولا أدب فاضل ، إلا وقد أدّب اللّه عز وجل به محمدا صلى اللّه عليه وسلم وأنزله في الكتاب إليه ، فكان يأمر بالمكارم ، ويحضّ على المحامد ، ويعمل بالمحاسن التي ليس فيها مدخل لشبهة طاعن ، ولا معلق لحجّة قائل ، ولا مغمز لبصيرة عائب ، ولا موضع لخصومة بشر ، في وعد أو عهد ، أو حلّ أو عقد ، أو مقال أو فعال ، أو غير ذلك من الأمور ، قالوا : أمور حمل عليها نفسه ، ودعاه إليها عقله ، وصبر عليها ، لما أمّل ورجا فيها ، سبحان اللّه ! وما أمّل بها وارتجى منها ؟ إن قالوا : الدنيا ، فلقد أكذبهم إدباره عنها ، حيث أمكنته القدرة منها ، وأعثرته الحال عليها ، وإن قالوا : حبّ الأثرة ، فقد جعل نفسه للمسلمين أسوة : في سهامهم « 4 » وقصاصهم « 5 » ، وحدودهم وحقوقهم ، وغير ذلك من أمورهم ، وإن قالوا الملك ، فلقد كان أشدّ الناس لربه تواضعا ، وأعظمهم في جنبه تصاغرا ، ما إن أكل متّكئا قطّ إلا مرّة ، ثم قعد كهيئة الفزع لها النادم عليها ، فقال : « اللّهم إنّى عبدك ورسولك » ، وإن قالوا : النعيم ، فمن كان أببس منه معاشا ، وأخشن رياشا « 6 » ، وأغلظ مأكلا ؟ وكيف
هامش
( 1 ) عزيمة صارمة : أي ماضية . ( 2 ) وهل إلى الشئ يوهل بفتحهما ويهل بالكسر وهلا بالسكون : ذهب وهمه إليه . ( 3 ) خلجه كضربه : حركه وجذبه وانتزعه . ( 4 ) جمع سهم بالفتح : وهو الحظ والنصيب . ( 5 ) وفي الحديث « وأيم اللّه لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها » . ( 6 ) أي لباسا ، وأصل الرياش : اللباس الفاخر .