تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 233

مساهمون:

ص٢٣٣
ومنها : أنه إذا قالت الفقهاء والحكماء : أتانا محمد صلى اللّه عليه وسلم بكلام لم تسمع الآذان بمثله ، ولم تقع القلوب على لغته ، له رونق كحباب « 1 » الماء ، وزبرج « 2 » يعلو ولا يعلى ، وعجائب لا تبلى ولا تفنى ، وجدة لا تتغير ، قالوا : كان محمد صلى اللّه عليه وسلم أبلغهم قولا ، وأحسنهم وصفا ، فيا سبحان اللّه ! ألا يعلمون أن لو كان القرآن كلاما للعباد ، لما أقرّت الأعداء من [ العرب « 3 » ] بفضله ، ولا عجزت القبائل طرّا عن مثله ، وهو يناديهم في الكتاب ، ويتحدّاهم في الوحي ، بصوت رفيع ، ونداء سميع ، فيقول :
« هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ » *
وهم فرسان الكلام ، وإخوان البلاغة ، وأبناء الخطب ، وأهل عداوة له وبغى عليه ، فتستحسر « 4 » الأبصار ، وتثقل الأسماع ، وتنعقد الألسن ، وتخرس الخطباء ، وتعجز البلغاء ، وتحار الشعراء ، وتستسلم الكهّان ، ثم لقد قايست البصراء بالكلام والعلماء بالمنطق بين ما بأيدينا من كلام النبي صلى اللّه عليه وسلم وما جاء به من كلام الوحي ، فإذا بينهما بون « 5 » بعيد ، وتفاوت شديد ، ليس بشبه له ولا مدان ولا قريب ، وكذلك ينبغي لكلام الرب عز وجل أن يعلو كلام الخلق ، وألّا يشبه قول العباد في تأليفه وأحاديثه ومعانيه وجميع ما فيه ؛ لأن اللّه عز وجل لا يشبهه شئ من ذلك ، إنه إذا قال المسلمون : كان محمد صلى اللّه عليه وسلم يرى ماضي أسلافنا ، وصلّح آبائنا ، من العجائب العظام ، والآيات الكبار ، ما هو جديد عندنا ، بيّن قبلنا ، فلم يعف أثره ، ولم يدرس خبره ، ولم يتقادم عهده : من شجرة ناداها فأقبلت ، ثم أمرها فرجعت ، ومن نحو بعير تظلّم ، وذئب تكلّم ، وأشباه لذلك كثيرة ، ونظائر له عجيبة ، قالوا : كان محمد صلى اللّه عليه وسلم كاهنا حاذقا ، وساحرا ماهرا ، يشبّه بالخيال ، ويأخذ بالأبصار ،
هامش
( 1 ) حباب الماء : فقاقيعه التي تطفو كأنها القوارير . ( 2 ) الزبرج : الزينة من وشى أو جوهر . ( 3 ) في الأصل بياض محل هذه الكلمة . ( 4 ) استحسر : أعيا . ( 5 ) البون : الفضل والمزية .