كيف والجموع الكثيرة تصدر عن الأطعمة اليسيرة ، والمياه القليلة شباعا رواء أيكون ذلك والسحر سواء ؟ والأخذ بالعيون لا يجرى في البطون ، ولو كانوا ينظرون لدينهم وينصفون من أنفسهم ، لعلموا أن أمر الساحر يدور على إفك وغرور ، وأن لمحمد صلى اللّه عليه وسلم آثارا قائمة ، ومنافع داثمة ، ثم لو كانت الكهانة والسحر يبلغان مثل هذا من الأمر ، لبطلت آيات الكتب ، وعلامات الرسل ، ولعلت الشّبهة ، وسقطت الحجة ، وكذبت النبوة ، ولبطل ما كان يفعله عيسى عليه السلام :
من إبرائه الأكمه « 1 » والأبرص وإحيائه الموتى ، فلا يكوننّ التقليد للرجال مبلغ علمك ، ولا القبول لدعواهم بلا بينة .
ومن ذلك أنه إذا قالت البصراء من أمتنا والعلماء بملّتنا : كان النبي صلى اللّه عليه وسلم أمّيا لا يحسن الكتاب ، وحافظا لا ينسى القرآن ، وقلما يجتمع العقل السديد والحفظ السريع والنسيان البطىء ، قالوا : كان أخطّ الناس يدا ، وأذكاهم حفظا ، كان يكتب بالنهار ، ويدرس بالليل .
ولعمر اللّه أن لو كانت الحال كما يقولون ، والأمر كما يصفون ، لما خفيت الصّحف له ، ولا اكتتمت الدراسة عليه ، ولما كان يطيق سترها عن أهله ، ولا حجابها دون قومه ، وكيف تؤمن القلوب ، وتقرّ العقول ، أن رجلا كبيرا حمل علما كثيرا ، وحكما جمّاء : من آيات متشابهة ، وسور متوالية ، وهو صاحب أسفار مترامية « 2 » ، وأخو حرب دائمة ، لا يبطئ لفظه ، ولا يسقط حفظه ؛ لولا « 3 » أن اللّه عز وجل كفاه أن يحرّك به لسانه ، وضمن له جمعه وقرآنه ، فقال عز وجل :
« سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى »
فلم يكن يسقط واوا ولا ألفا ، ولا ينسى كلمة ولا حرفا ، ما أبين هذا وأعجبه ! وأعجب منه المنكر له !
هامش
( 1 ) من ولد أعمى .
( 2 ) في الأصل « متراخية » .
( 3 ) في الأصل « ولا يسقط حقه ، ولولا أن اللّه » .