تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 232

مساهمون:

ص٢٣٢
لما أمره اللّه عزّ وجل أن يحتجّ عليهم ، ويقول في ذلك لهم : لقد لبثت فيكم عمرا من قبله ، لا أتلو قرآنا ، ولا أدعى وحيا ، أفلا تعقلون ! وأيم اللّه لو كانوا يعقلون أو ينظرون ، لعلموا أن معلّمه على غير الملّة التي يعرفون لأنه لهم من المخالفين ، وعليهم من الطاعنين ، يذكر فضائح قولهم ، ومعايب أمرهم ، ومخازى أسلافهم ، وعوائر « 1 » أديانهم ، وأنه لو كان معلّمه نصرانيا لدعاه إلى النّصرانية أو يهوديا لدعاه إلى اليهودية ، أو مجوسيّا لدعاه إلى المجوسية ، ولو لم يكن له معلّم لما وقع على الحقيقة ، هداية من تلقاء نفسه ، ومعرفة بقوة عقله ؛ ولو كان معلّمه الشيطان لما دعاه إلى عبادة الرحمن ، ولا أمره بهجر الأوثان ، وكسر الأصنام ، وصلة الأرحام ، والإصلاح في الأرض ، كيف وكان الشيطان يصدّ الناس عن سبيله ، ويزهّدهم في دينه وينهاهم عن طاعته ، ويخرجهم من عبادته ، ويدخلهم في مساخطه ، ويحملهم على معاصيه ؟ إنه إذن لرحيم بهم ، ناظر لهم ، شفيق عليهم ، كأنه هو المبعوث إليهم ، كلا ، ما كان لينقذهم من حبائله ، ويخلّصهم من مصايده ، ويخرجهم من ولايته وطاعته وسلطانه وخدعه وفتنته وحزبه ، إلى غير ذلك من أمره ، وما كان لينهى العرب أن يقتلوا أنفسهم ، ويتناوحوا حرمهم ، ويؤذوا ذريتهم ، ولا ليقول لهم : لم تعبدون نحيت الحجارة التي جعلها اللّه لكم عارا ، وتذرون عبادة الربّ الذي خلقكم أطوارا ! هيهات ! لقد ذهبتم بالشيطان الرجيم إلى صراط العزيز الحكيم ، فقلتم قولا تنكره العقول ، وتدفعه القلوب ، وتستوحش منه النفوس ، ألا تسمعون إلى قول اللّه عزّ وجل :
« فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ . أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ »
فما كان الشيطان ليرضى للعرب باللّعنة والبكم ، والعمى والصّمم ، فاتّق اللّه ولا تكن من الجاحدين .
هامش
( 1 ) أراد بها مثالبها ومخازيها ، وفي كتب اللغة : العوراء : الفعلة القبيحة ( غير أن فعلاء لا يجمع على فواعل ) وفيها : العوائر جمع عائر ، والعائر من السهام والحجارة : الذي لا يدرى من رماه ، أصابه سهم عائر فقتله : أي لا يدرى من رماه .