تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 62

مساهمون:

ص٦٢
الحضرمىّ « 1 » الذي كتب إليك فيه زياد أنه على دين علىّ كرم اللّه وجهه ، ودين علىّ هو دين ابن عمه صلى اللّه عليه وسلم الذي أجلسك مجلسك الذي أنت فيه ، ولولا ذلك كان أفضل شرفك وشرف آبائك تجشّم الرّحلتين : رحلة الشتاء والصّيف « 2 » ، فوضعها اللّه عنكم بنا ، منّة عليكم ، وقلت فيما قلت : لا تردّنّ هذه الأمة في فتنة ، وإني لا أعلم لها فتنة أعظم من إمارتك عليها ، وقلت فيما قلت : انظر لنفسك ولدينك ولأمة محمد ، وإني واللّه ما أعرف أفضل من جهادك ، فإن أفعل فإنه قربة إلى ربى ، وإن لم أفعله فأستغفر اللّه لديني ، وأسأله التوفيق لما يحبّ ويرضى ، وقلت فيما قلت :
هامش
- هؤلاء القوم فنكلوا به واهدموا داره » فلم يكن البلاء أشد ولا أكثر منه بالعراق ، ولا سيما بالكوفة حتى إن الرجل من شيعة علي عليه السلام ليأتيه من يثق به ، فيدخل بيته فيلقى إليه سره ويخاف من خادمه ومملوكه ، ولا يحدثه حتى يأخذ عليه الأيمان الغليظة ليكتمن عليه ، فظهر حديث كثير موضوع وبهتان منتشر ، ومضى على ذلك الفقهاء والقضاة والولاة ، وكان أعظم الناس في ذلك بلية القراء المراءون والمستضعفون الذين يظهرون الخشوع والنسك ، فيفتعلون الأحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم ، ويقربوا مجالسهم ، ويصيبوا به الأموال والضياع والمنازل . حتى انتقلت تلك الأخبار والأحاديث إلى أيدي الديانين الذين لا يستحلون الكذب والبهتان ، فقبلوها ورووها وهم يظنون أنها حق ، ولو علموا أنها باطلة لما رووها ولا تدينوا بها . فلم يزل الأمر كذلك حتى مات الحسن بن علي عليه السلام ( سنة 50 ) فازداد البلاء والفتنة ، فلم يبق أحد من هذا القبيل إلا وهو خائف على دمه ، أو طريد في الأرض ، ثم تفاقم الأمر بعد قتل الحسين عليه السلام ، وولى عبد الملك بن مروان ، فاشتد على الشيعة وولى عليهم الحجاج بن يوسف ، فتقرب إليه أهل النسك والصلاح والدين ببغض على وموالاه أعدائه وموالاة من يدعى قوم من الناس أنهم أيضا أعداؤه ، فأكثروا في الرواية في فضلهم وسوابقهم ومناقبهم ، وأكثروا من الغض من علي عليه السلام وعيبه والطعن فيه والشنآن له ، حتى إن إنسانا وقف للحجاج ، ويقال إنه جد الأصمعي عبد الملك بن قريب ، فصاج به أيها الأمير إن أهلي عقوني فسمونى عليا ، وإني فقير بائس ، وأنا إلى صلة الأمير محتاج ، فتضاحك له الحجاج ، وقال : للطف ما توسلت به ، قد وليتك موضع كذا » اه . ولا تنس أن الشيعة وضعوا أحاديث مختلفة في صاحبهم ، حملهم على وضعها عداوة خصومهم - انظر ابن أبي الحديد م 3 ص 17 . ( 1 ) يعنى شريك بن شداد الحضرمي ، وكان من أصحاب حجر بن عدي الذين بعث بهم زياد إلى معاوية وقتل مع حجر . ( 2 ) كان للقرشيين في الجاهلية رحلتان كل عام : رحلة في الشتاء إلى اليمن ، ورحلة في الصيف إلى الشام ، فيمتارون ويتجرون ، وكانوا يخرجون بتجارتهم قوافل عظيمة وقد ذكر الطبري أن إحدى هذه القوافل بلغت خمسمائة وألف بعير ، وكانوا في رحلتهم آمنين لأنهم أهل حرم اللّه وولاة بيته ، ذلك إلى ما أخذه لهم بنو عبد مناف من الإيلاف أي العهد بتأمين التجارة ، وكان هاشم بن عبد مناف قد خرج إلى الشام -