وعدوانا من بعد ما أعطيتهم المواثيق الغليظة ، والعهود المؤكّدة « 1 » ، جراءة على اللّه واستخفافا بعهده ، أو لست بقاتل عمرو بن الحمق « 2 » الذي أخلقت وأبلت وجهه العبادة ، فقتلته من بعد ما أعطيته من العهود ما لو فهمته العصم « 3 » نزلت من سقف « 4 » الجبال ؟ أو لست المدّعى زيادا في الإسلام ، فزعمت أنه ابن أبي سفيان ، وقد قضى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن الولد للفراش وللعاهر الحجر ، ثم سلّطته على أهل
هامش
( 1 ) يشير إلى ما كان أخذه الحسن عليه السلام من معاوية من كتاب الأمان لشيعته .
( 2 ) هو عمرو بن الحمق الخزاعي : صحابي هاجر بعد الحديبية ، وكان ممن دخل الدار على عثمان ، ثم صار من شيعة على ، وشهد معه وقعة الجمل وصفين والنهروان ، ولما طلب زياد رؤساء أصحاب حجر ابن عدي ، خرج عمرو بن الحمق ورفاعة بن شداد حتى نزلا المدائن ، ثم ارتحلا حتى أتيا أرض الموصل فأتيا جبلا فكمنا فيه ، وبلغ عامل ذلك الرستاق ( الرستاق : يستعمل في الناحية التي هي طرف الإقليم ، فارسي معرب ) أن رجلين قد كمنا في جانب الجبل ، فاستنكر شأنهما - وهو رجل من همدان يقال له :
عبد اللّه بن أبي بلتعة - فسار إليهما في الخيل نحو الجبل ومعه أهل البلد ، فلما انتهى إليهما خرجا ، فأما عمرو بن الحمق فكان مريضا ، وكان بطنه قد سقى ( السقي كشمس وحمل : ماء أصفر يقع في البطن ، وقد سقى بطنه كرمى ) فلم يكن عنده امتناع . وأما رفاعة بن شداد - وكان شابا قويا - فوثب على فرس له جواد ، فقال له : أقاتل عنك ، قال : وما ينفعني أن تقاتل ، أنج بنفسك إن استطعت فحمل عليهم فأفرجوا له ، فخرج تنفر به فرسه ، وخرجت الخيل في طلبه وكان راميا ، فأخذ لا يلحقه فارس إلا رماه فجرحه أو عقره ، فانصرفوا عنه .
وأخذ عمرو بن الحمق ، فسألوه من أنت ؟ فقال : من إن تركتموه كان أسلم لكم ، وإن قتلتموه كان أضر لكم ، فسألوه فأبى أن يخبرهم ، فبعث به ابن أبي بلتعة إلى عامل الموصل - وهو عبد الرحمن بن عبد اللّه ابن عثمان الثقفي - فلما رأى عمرو بن الحمق ، عرفه وكتب إلى معاوية بخبره ، فكتب إليه معاوية :
« أنه زعم أنه طعن عثمان بن عفان تسع طعنات بمشاقص كانت معه ( المشاقص جمع مشقص كمنبر وهو النصل الطويل أو سهم فيه ذلك يرمى به الوحش ) وإنا لا نريد أن نعتدى عليه ، فاطعنه تسع طعنات كما طعن عثمان ، فأخرج فطعن تسع طعنات فمات في الأولى منهن أو الثانية ( سنة 51 ه ) وبعث عبد الرحمن الثقفي برأسه إلى معاوية ، وهو أول رأس أهدى في الإسلام . وقيل إنه لما هرب بالوصل دخل غارا فنهشته حية فمات فأخذ عامل الموصل رأسه فأرسله إلى زياد فبعث به زياد إلى معاوية ، وقيل إنه عاش إلى أن قتل في وقعة الحرة سنة 63 ه ( انظر تاريخ الطبري 6 : 148 وخلاصة تهذيب الكمال في أسماء الرجال ص 244 وأسد الغابة في معرفة الصحابة 4 : 100 والإصابة في تمييز الصحابة 4 : 294 ) .
وقد جاء في تاريخ الطبري أيضا ( 5 : 132 ) أن عمرو بن الحمق كان مع محمد بن أبي بكر حين تسور على عثمان الدار ، فلما قتله كنانة بن بشر بن عتاب التجينى ، وثب عمرو بن الحمق على عثمان فجلس على صدره وبه رمق ، فطعنه تسع طعنات ، قال عمرو : فأما ثلاث منهن فإني طعنتهن إياه للّه ، وأما ست فإني طعنتهن إياه لما كان في صدري عليه » .
( 3 ) العصم : جمع أعصم ، وهو الوعل في ذراعيه أو في إحداهما بياض وسائره أسود أو أحمر .
( 4 ) لعله « من شم الجبال » جمع أشم . والجبل الأشم : المرتفع .