تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 328

مساهمون:

ص٣٢٨
فانظر يا أمير المؤمنين إليها نظر الزاهد المفارق ، ولا تنظر نظر المبتلى العاشق ، واعلم أنها تزيل الثّاوى « 1 » الساكن ، وتفجع المترف فيها الآمن ، ولا ترجع ما تولّى وأدبر ، ولا بدّ ما هو آت منها ينتظر ، ولا يتبع ما صفا منها إلا كدر ، فاحذرها فإن أمانيّها كاذبة ، وآمالها باطلة ، وعيشها نكد ، وصفوها كدر ، وأنت منها على خطر ، إما نعمة زائلة ، وإما بلية نازلة ، وإما مصيبة فادحة « 2 » ، وإما منيّة قاضية ، فلقد كدّرت المعيشة لمن عقل ، فهو من نعيمها على خطر ، ومن بليّتها على حذر ، ومن المنية على يقين . فلو كان الخالق تبارك وتعالى لم يخبر عنها بخبر ، ولم يضرب لها مثلا ، ولم يأمر فيها بزهد ، لكانت الدنيا قد أيقظت النائم ، ونبّهت الغافل ، فكيف وقد جاء عن اللّه عزّ وجل منها زاجر ، وفيها واعظ ، فما لها عنده قدر ولا وزن من الصّغر ، فلهى عنده أصغر من حصاة في الحصى ، ومن مقدار نواة في النّوى ، ما خلق اللّه عزّ وجل فيما بلغنا أبغض إلى اللّه تعالى منها ، ما نظر إليها منذ خلقها ، ولقد عرضت على نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم بمفاتيحها وخزائنها ، لا ينقصه ذلك عند اللّه جناح بعوضة ، فأبى أن يقبلها ، وما منعه من القبول لها - مع مالا ينقصه اللّه شيئا مما عنده كما وعده - إلا أنه علم أن اللّه عزّ وجلّ أبغض شيئا فأبغضه ، وصغّر شيئا فصغّره ، ولو قبلها كان الدليل على محبته قبوله إياها ، ولكنه كره أن يخالف أمره ، أو يحب ما أبغض خالقه ، أو يرفع ما وضع مليكه . وكان في آخر هذه الرسالة : ولا تأمن أن يكون هذا الكلام حجّة عليك ، نفعني اللّه وإياك بالموعظة ، والسلام عليك ورحمة اللّه وبركاته . ( سيرة عمر لابن الجوزي ص 121 )
هامش
( 1 ) الثاوى : المقيم . ( 2 ) فدحه : أثقله .