تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 325

مساهمون:

ص٣٢٥
ويمون كبيرهم . والإمام العدل يا أمير المؤمنين كالقلب بين الجوانح ، تصلح الجوانح بصلاحه ، وتفسد بفساده . والإمام العدل يا أمير المؤمنين هو القائم بين اللّه وبين عباده يسمع كلام اللّه ويسمعهم ، وينظر إلى اللّه ويريهم ، وينقاد إلى اللّه ويقودهم ، فلا تكن يا أمير المؤمنين فيما ملّكك اللّه كعبد ائتمنه سيده ، واستحفظه ماله وعياله ، فبدّد المال ، وشرّد العيال ، فأفقر أهله ، وفرّق ماله . واعلم يا أمير المؤمنين أن اللّه أنزل الحدود ليزجر بها عن الخبائث والفواحش ، فكيف إذا أتاها من يليها ؟ وأن اللّه أنزل القصاص حياة لعباده ، فكيف إذا قتلهم من يقتصّ لهم ؟ واذكر يا أمير المؤمنين الموت وما بعده ، وقلّة أشياعك عنده ، وأنصارك عليه ، فتزوّد له ، ولما بعده من الفزع الأكبر . واعلم يا أمير المؤمنين أن لك منزلا غير منزلك الذي أنت فيه ، يطول فيه ثواؤك ، ويفارقك أحبّاؤك ، ويسلمونك في قعره فريدا وحيدا ، فتزوّد له ما يصحبك يوم يفرّ المرء من أخيه ، وأمّه وأبيه ، وصاحبته وبنيه . واذكر يا أمير المؤمنين إذا بعثر ما في القبور ، وحصّل ما في الصدور ، فالأسرار ظاهرة ، والكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ، فالآن يا أمير المؤمنين وأنت في مهل ، قبل حلول الأجل وانقطاع الأمل ، لا تحكم يا أمير المؤمنين في عباد اللّه بحكم الجاهلين ، ولا تسلك بهم سبيل الظالمين ، ولا تسلّط المستكبرين على المستضعفين ، فإنهم لا يرقبون في مؤمن إلّا « 1 » ولا ذمّة ، فتبوء بأوزارك وأوزار مع أوزارك ، وتحمل أثقالك وأثقالا مع أثقالك ، ولا يغرّنك الذين يتنعمون بما فيه بؤسك ، ويأكلون الطيبات في دنياهم بإذهاب طيّباتك في آخرتك . لا تنظر إلى قدرتك اليوم ، ولكن انظر إلى قدرتك غدا ، وأنت مأسور في حبائل الموت ، وموقوف بين يدي اللّه في مجمع من الملائكة والنبيين والمرسلين ، وقد عنت « 2 » الوجوه للحى القيوم . إني يا أمير المؤمنين وإن لم أبلغ بعظتى ما بلغه أولو النّهى من قبلي فلم آلك « 3 » شفقة
هامش
( 1 ) عهدا . ( 2 ) خضعت وذلت . ( 3 ) لم أقصر .