تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 320

مساهمون:

ص٣٢٠
ليبلو « 1 » اللّه فيها عباده أيّهم أحسن عملا ؟ فمن قدم عند خروجه من الدنيا إلى طاعة اللّه ورضوانه من أنبيائه وأئمة الهدى الذين أمر اللّه نبيه أن يقتدى بهداهم ، خلّد في دار الإقامة من فضله ، لا يمسّهم فبها نصب ولا يمسّهم فيها لغوب « 2 » ومن كانت مفارقته الدنيا إلى غيرهم وإلى غير منازلهم ، فقد قابل الشّرّ الطويل ، وأقام على مالا قبل له به ، وأسأل اللّه برحمته أن يبقينا ما أبقانا في الدنيا مطيعين أمره ، متّبعين لكتابه ، وأن يقدمنا إذا خرجنا من الدنيا إلى نبينا ومن أمر أن يقتدى بهداهم من المصطفين الأخيار ، وأسأله برحمته أن يقينا أعمال السوء في الدنيا ، والسيئات يوم القيامة . ثم إن عبد الملك ابن أمير المؤمنين كان عبد اللّه أحسن اللّه إليه ، وأحسن إلى أبيه فيه ، أعاشه ما أحبّ أن يعيشه ، ثم قبضه حين أحبّ أن بقبضه ، وهو - فيما علمت - بالموت مغتبط « 3 » يرجو من اللّه فيه رجاء حسنا ، وأعوذ باللّه أن تكون لي محبة في شئ من الأمور تخالف محبة اللّه تعالى ، فإن ذلك لا يصلح لي في بلائه « 4 » عندي ، وإحسانه إلىّ ، ونعمته علىّ . وقد قلت عندما كان في سبيله : أحمد اللّه على ما رجوت به ثواب اللّه الحسن ، وموعوده الصادق من المغفرة ، إنا للّه وإنا إليه راجعون ، ثم لم أجد في نفسي - والحمد للّه - إلا خيرا من رضا بقضاء اللّه تعالى واحتساب لما كان من المصيبة ، فحمدت اللّه على ما مضى وعلى ما بقي ، وعلى كل حال من أمر الدنيا والآخرة ، أحبيت أن أعلمكم بذلك وأكتب إليكم به فلا أعلم مما نيح عليه في شئ مما قبلكم ، ولا يجتمع على ذلك أحد من الناس ، ولا رخّصت فيه لقريب من الناس ولا بعيد ، والسلام » . ( سيرة عمر لابن الجوزي ص 268 ) * * *
هامش
( 1 ) يبلو : يختبر . ( 2 ) اللغوب : التعب والإعناء . ( 3 ) مسرور . ( 4 ) أي نعمته .
جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 320 | أحمد زكي صفوت