تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 249

مساهمون:

ص٢٤٩

287 - رد الحجاج على سليمان

فكتب إليه الحجاج : « بسم اللّه الرحمن الرحيم ، من الحجاج بن يوسف إلى سليمان بن عبد الملك ، سلام على من اتبع الهدى ، أما بعد ، فإنك كتبت إلىّ تذكر أنى امرؤ مهتوك عنى حجاب الحق ، مولع بما علىّ لالى ، منصرف عن منافعى ، تارك لحظى ، مستخفّ بحق اللّه وحقّ ولىّ الحق ، وتذكر أنك ذو مصاولة « 1 » ، ولعمري إنك لصبي حديث السّن ، تعذر بقلة عقلك ، وحداثة سنك ، ويرقب فيك غيرك . فأمّا كتابك إلىّ ، فلعمري لقد ضعف فيه عقلك ، واستخفّ به حلمك ، فللّه أبوك ! أفلا انتصرت بقضاء اللّه دون قضائك ، ورجاء اللّه دون رجائك ، وأمتّ غيظك ، وأمنت عدوّك ، وسترت عنه تدبيرك ، ولم تنبّهه فيلتمس من مكايدتك ما تلتمس من مكايدته ! ولكنك لم تشفّ « 2 » بالأمور علما ، ولم ترزق من أمرك حزما جمعت أمورا دلّاك فيها الشيطان على أسوإ أمرك ، فكان الجفاء من خليقتك ، والحمق من طبيعتك ، وأقبل بك الشيطان وأدبر ، وحدّثك أنك لن تكون كاملا حتى تتعاطى ما يعيبك ، فتحذلقت « 3 » حنجرتك لقوله ، واتسع جوانبها لكذبه . وأما قولك : لو ملّكك اللّه لعلّقت زينب ابنة يوسف بثدييها ، فأرجو أن بكرمها اللّه بهوانك ، وأن لا يوفّق ذلك لك إن كان ذلك من رأيك ، مع أنى أعرف أنك كتبت إلىّ والشيطان بين كتفيك ، فشرّ ممل عليك على شر كاتب راض بالخسف « 4 » ، فأحر بالحمق أن لا يدلّك على هدى ، ولا يردك إلّا إلى ردى ، وتحلّب « 5 »
هامش
( 1 ) صاوله مصاولة وصيالا : واثبه . ( 2 ) شف : زاد ( ونقص أيضا ) . ( 3 ) تحذلق : أظهر الحذق وادعى أكثر مما عنده ، والمراد تابعت الشيطان وأطعته . ( 4 ) الخسف : الذل والضيم ، يريد أنه أذل نفسه لأنه خضع لسلطان الشيطان . ( 5 ) أي سال .