بما عليك لا لك ، منصرف عن منافعك ، تارك لحظّك ، مستخفّ بحق اللّه وحقّ أوليائه ، لا ما سلف إليك من خير يعطفك ، ولا ما عليك لا لك تصرفه في مهمّة من أمرك ، معموه « 1 » معصوصر « 2 » عن الحق اعصيصارا ، لا تسكت عن قبيح ، ولا ترعوى عن إساءة ، ولا ترجو للّه وقارا ، حتى دعيت فاحشا سبّابا ، فقس شبرك بفترك ، واخرز زمام نعل بحذو « 3 » مثله قائم ، وأيم اللّه لئن أمكنني اللّه منك لأدوسنّك دوسة تلين منها فرائصك ، ولأجعلنّك شريدا في الجبال ، تلوذ بأطراف الشّمال ، ولأعلّقنّ الرّوميّة الحمراء « 4 » بثدييها ، علم اللّه ذلك منى « 5 » وقضى لي به علىّ ، فقدما « 6 » غرّتك العافية ، وانتحيت « 7 » أعراض الرجال ، فإنك قدرت فبذخت « 9 » ، وظفرت فتعدّيت ، فرو يدك حتى تنظر كيف يكون مصيرك إن كانت بي وبك مدة أتعلّق بها ، وإن تكن الأخرى ، فأرجو أن تئول إلى مذلّة ذليلة ، وخزية « 8 » طويلة ، ويجعل مصيرك في الآخرة شرّ مصير ، والسلام » .
( العقد الفريد 3 : 16 )
هامش
( 1 ) عمه كفرح : تردد في الضلالة وتحير لا يهتدى لطريقه ومذهبه ، وفي كتب اللغة أن الوصف منه عمه كفرح وعامه ، ولم يرد فيها معموه ، إلا أن يقال هو مفعول بمعنى فاعل ، كما في « حجابا مستورا » أي ساترا .
( 2 ) قال في اللسان : « كل شئ منعته وحبسته فقد عصرته واعتصرته ، » فمعنى معصوصر عن الحق ممنوع محبوس عنه ، وهو اسم فاعل من اعصوصر ، وصيغة افعوعل من أبنية المبالغة كاعذوذب من عذب ، واحلولى من حلا - ولم تورد كتب اللغة هذه الكلمة - .
( 3 ) يقال حذا النعل بالنعل : أي قطعها وقدرها على مثالها .
( 4 ) يعنى بها زينب بنت يوسف أخت الحجاج كما يدل عن ذلك رد الحجاج الآتي ، يريد أنها تشبه الروم في لونها ، قال في اللسان : « والحمراء : العجم لبياضهم ، ولأن الشقرة أغلب الألوان عليهم ، وكانت العرب تقول للعجم الذين يكون البياض غالبا على ألوانهم مثل الروم والفرس ومن صاقبهم ( أي قاربهم ) إنهم الحمراء ، والعرب إذا قالوا فلان أبيض وفلانة بيضاء فمعناه الكرم في الأخلاق لا لون الخلقة : أي طاهر نقى من العيوب ، وإذا قالوا فلان أحمر وفلانة حمراء عنت بياض اللون ، والعرب تسمى الموالى الحمراء » وقال أيضا : « والعرب تقول امرأة حمراء أي بيضاء » وفي الحديث « خذوا شطر دينكم من الحميراء » يعنى عائشة ، كان يقول لها أحيانا « يا حميراء تصغير الحمراء يريد البيضاء » .
( 5 ) هذه الجملة في قوة أقسم بعلم اللّه أو باللّه العليم .
( 6 ) أي فقديما .
( 7 ) أي قصدتها بالتمزيق والانتهاك .
( 8 ) بذخ كفرح بذخا بالتحريك : تكبر وعلا .
( 9 ) الخزية بفتح الخاء وكسرها : البلية يوقع فيها .