تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 221

مساهمون:

ص٢٢١
فاستخرجك أمير المؤمنين من أعوان روح بن زنباع وشرطه « 1 » ، وأنت على معاونته يومئذ محسود ، فهفا أمير المؤمنين - واللّه يصلح بالتوبة والغفران زلّته - وكان ما لو لم يكن لكان خيرا مما كان ، كلّ ذلك من تجاسرك وتحاملك على المخالفة لرأى أمير المؤمنين ، فصدعت صفاتنا « 2 » ، وهتكت حجبنا ، وبسطت يديك تحفن بهما
هامش
( 1 ) الشرط : أعوان الولاة واحدها شرطة كغرف وغرفة ، وكان أول ما ظهر من أمر الحجاج أنه اتصل بروح بن زنباع الجذامي ، فكان في عديد شرطته ( وكان روح وزير عبد الملك ، وبمنزلة نائبه ) ثم إن عبد الملك ، توجه إلى الجزيرة لقتال زفر بن الحارث الكلابي عندما عصى عليه بقرقيسياء كما قدمنا ، فشكا ما رأى من انحلال العسكر وأن الناس لا يرحلون برحيله ولا ينزلون بنزوله ، فقال له روح بن زنباع : يا أمير المؤمنين ، إن في شرطتى رجلا لو قلده أمير المؤمنين أمر عسكره لأرحلهم برحيله ، وأنزلهم بنزوله ، يقال له الحجاج بن يوسف ، قال : فإنا قد قلدناه ذلك ، فكان لا يقدر أحد أن يتخلف عن الرحيل والنزول إلا أعوان روح بن زنباع ، فمر يوما بعد رحيل العسكر بجماعة من خواص غلمان روح في خيمة يأكلون ، فقال لهم : ما منعكم أن ترحلوا برحيل أمير المؤمنين ؟ فسخروا منه إدلالا بمحلهم ومحل سيدهم . وقالوا له : انزل يا بن اللخناء فكل معنا ( واللخن بالتحريك : قبح ريح الفرج ، وامرأة لخناء ، ويقال اللخناء : التي لم تختن ، وهي من شتم العرب ، كأنهم يقولون : يا دنىء الأصل ، أو يا لئيم الأم ) . فقال : هيهات ! ذهب ما هنالك ، وضرب بسيفه أطناب الخيمة فسقطت عليهم ، وأطلق فيها نارا فأحرقت أثاتهم عليهم ، وأمر بهم فجلدوا بالسياط وطوفهم في العسكر ، فدخل روح بن زنباع على عبد الملك باكيا ، فقال له : مالك ؟ فقال يا أمير المؤمنين ، الحجاج بن يوسف الذي كان في عديد شرطتى ضرب عبيدي ، وأحرق فساطيطى ، قال : على به . فلما دخل عليه ، قال : ما حملك على ما فعلت ؟ قال : ما أنا فعلته يا أمير المؤمنين قال : ومن فعله ؟ قال : أنت واللّه فعلت ، إنما يدي يدك ، وسوطى سوطك ، أنت يا أمير المؤمنين أمرتنا بالاجتهاد فيما وليتنا ففعلنا ما أمرت ، وبهذه الفعلة يرتدع من بقي من أهل العسكر ، وما على أمير المؤمنين أن يخلف على روح بن زنباع للفسطاط فسطاطين وللغلام غلامين ، ولا يكسرنى فيما قدمني له ؟ فأعجب عبد الملك وقال : إن شرطيكم لجلد ، ثم أقره على ما هو عليه ، وتقدم الحجاج في منزلته ، وكان ذلك أول ما عرف من كفايته . ولما طال القتال والحصار بينه وبين زفر بن الحارث ، أرسل عبد الملك رجاء بن حيوة وجماعة منهم الحجاج إلى زفر بكتاب يدعوه إلى الصلح ، فأتوه بالكتاب وقد حضرت الصلاة ، فقام رجا فصلى مع زفر ، وصلى الحجاج وحده ، فسئل عن ذلك ، فقال : لا أصلى مع منافق خارج على أمير المؤمنين وعن طاعته ، فسمع عبد الملك بذلك فزاد عجبا بالحجاج ورفع قدره ، وولاه بلدة تسمى « تبالة » - كسحابة ، بلد باليمن - وهي أول ما ولى ، فخرج إليها فلما قرب سأل عنها ، فقيل : إنها وراء هذه الأكمة ، فقال : أف لبلدة تسترها أكمة فرجع عنها ، فقيل في المثل : أهون من تبالة على الحجاج - انظر العقد الفريد 3 : 6 ، وسرح العيون ص 113 - . ( 2 ) الصفاة : الحجر الصلد الضخم .